سننسى أثناء رمضان وبعد رمضان!!
كالعادة سيكون شهر رمضان في الجزائر مناسبة للحديث عن أسعار اللحوم والخضر والفواكه، وعن أنواع المأكولات وجديد المسلسلات والبرامج التلفزيونية، ونغرق في الجري خلف شهوات البطون وحاجياتنا المادية، في سيناريو يتكرر كل موسم، ننسى فيه الهموم والمتاعب، ونغفل عما يتعرض له الوطن من احتيال، ونغفل حتى عن المعاني الروحية للشهر الفضيل وعن واجباتنا الدينية، مثلما تلهينا مناسبات ومواسم أخرى عن الاهتمام ببناء الدولة على أساس مشروع مجتمع متوازن ومنسجم مع التحولات التي يشهدها العالم من حولنا.
سننسى بأننا نتخبط في انسداد سياسي وفراغ مؤسساتي وتراجع اقتصادي، وننسى فضيحة البكالوريا وملفات الفساد المختلفة، ويغلق بعد غد ملف فضيحة القرن بإصدار أحكام في حق عبد المؤمن خليفة وعدد قليل من صغار المنتفعين الذين سيدفعون الثمن بدلا من المتسببين الفعليين في تقديم التسهيلات للخليفة، والمتسببين الفعليين في التغطية على جريمة نهب المال العام وضياع أموال الخزينة العمومية ومدخرات المواطنين البسطاء.
أنانيتنا وطمعنا وضعفنا وخوفنا، كل هذا يجعلنا ننسى ونتناسى هموم الدنيا، وننسى تراجعنا وتخلفنا وتقصيرنا، وننسى أزماتنا السياسية والاقتصادية والفكرية والأخلاقية التي نؤجل دومًا معالجتها في سيناريو يتكرر في هذا رمضان، ويتأجل مع حلول فصل الاصطياف ثم الدخول الاجتماعي والمدرسي وانطلاقة الموسم الكروي، وهي كلها فصول ومواسم ومواعيد تعود كل مرة لتجدنا في غيبوبة مؤقته تدوم بضعة أسابيع، وتخلف انعكاسات تتراكم كل مرة.
الشعب سينشغل بهمومه اليومية المتعددة، والنخبة والطبقة المثقفة سيتم احتواؤها أو تغييبها، والسلطة ستستمر في تحايلها، وربما سيكون هذا الشهر فرصة لتمرير بعض مشاريعها التي سيعلن عن بعضها بمناسبة ذكرى استرجاع السيادة الوطنية في الخامس جويلية، قبل استكمال الأجندة بتمرير قرارات وقوانين ومشاريع تهدف إلى إطالة عمر المنظومة عوض تصحيح الاختلالات وتنفيذ الإصلاحات التي يحتاجها نظامنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي لتجنب تكرار المآسي التي تتخبط فيها الشعوب والأمم الأخرى.
بعد رمضان وفصل الصيف سيستفيق الجزائريون على وضع بائس وتعيس، ربما أسوأ مما كنا عليه لأن كل طرف يستعمل ذكاءه ومكره لتحقيق مصالحه عوض القيام بواجباته، وكل واحد بات يخاف على نفسه ويطمع في المزيد من المكاسب لنفسه وعشيرته وجماعته وحزبه بعيدًا عن الوعود التي قطعها كل مسؤول على نفسه أمام الشعب الذي يعيش فقيرًا تحت سماء جزائر غنية وثرية وجميلة مثلما اكتشفنا في الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة فرانس 2 الأسبوع الماضي.
روائع الفيلم كانت مفرحة ومبكية في أن الوقت، وجعلتنا نتأسف على جمال وطن لا يعرفه ولا يهتم به أبناؤه، وتأكدنا من خلاله كم نحن مقصرون وكم فشلنا في الاستثمار في قدراتنا وخيراتنا، وكم نحن في حاجة إلى نفس جديد بعد رمضان وعند كل موسم لأننا صرنا نخجل من الإخفاقات المتكررة.