قاد عدة ثورات عربية في شعره ضد الاستبداد
سوريا تناست ذكرى رحيل نزار قباني
لم يعد يفصلنا إلا بضعة أيام عن رحيل الشاعر العربي الكبير، نزار قباني، الذي تعودت سوريا أن تحتفل به طوال شهر أفريل، ولكن الأحداث التي تعرفها سوريا في الأسابيع الأخيرة، جعلت السوريين ينسون الشعر نهائيا، ويدفنون نزار قباني الذي تغنى بسوريا منذ أن وُلد في دمشق، في ربيع 1923.
-
كثيرون تساءلوا الآن بعد نجاح بعض الثورات العربية عن اختفاء الشاعر العراقي، أحمد مطر، وأيضا عن الشعر الذي كان سيقوله نزار قباني بعد هروب زين العابدين بن علي، وتنحي حسني مبارك.. وأيضا كيف كان سيكون رأيه في ما يحدث في بلده سوريا، وهو الذي لم يترك ما يخطر على بال أحد إلا وقاله عن الحكام العرب، خاصة في قصيدته الشهيرة ”متى يعلنون وفاة العرب؟”.
-
نزار قباني الذي رحل في الثلاثين من أفريل من عام 1998 في لندن، عن عمر جاوز 75 عاما، بعد أن غنى أشهر مطربي العالم العربي من شعره، مثل أم كلثوم وعبدالحليم وفايزة أحمد ونجاة وفيروز وأصالة وكاظم الساهر، ظل يكتب عن الألم العربي إلى أن رحل دون أن يعيش الثورات، وإلى أن نسفت هذه الثورات ذكراه نهائيا في سوريا وفي مصر.. نزار قباني كان من أوائل الذين كتبوا عن ثورة الجزائر في عزها، وكتب عن البطلة جميلة بوحيرد ثلاث قصائد كاملة، منها قوله: “امرأة من قسنطينة لم تعرف شفتاها الزينة.. لم تدخل حجرتها الأحلام.. لم تلعب كالأطفال” وأيضا قصيدة “كلنا جميلة”.. ولكن تبقى زيارته الخالدة في عام 1979 الأكثر إثارة، حيث كان كلما حل بمدينة لأجل تنشيط أمسيته الشعرية، إلا وانبهر بالحضور الكبير من وهران إلى قسنطينة إلى تيزي وزو، التي فاجأته بالآلاف الذين تزاحموا من أجل الاستماع إلى روائعه، وكان يظن أنه سيغرد مع العناكب كما قال، وفي قسنطنية تحطم الباب الزجاجي للمسرح، ولم يدخل إلا الأقوياء والأشداء بسبب الزحام، أما في العاصمة فقد تحدث نزار بنفسه عن لهفة الناس لأجل سماع أشياء أشبه بالخيال، حيث كتب يقول “لا يمكن معرفة طبيعة الثورة الجزائرية إلا خلال حوار مع أي جزائري” وأكمل يقول.. في كل مكان زرته في المدن الجزائرية، وجدت الثورة تنتظرني في الرئاسة.. في المطار في مبنى التلفزيون.. في الفنادق في المستشفى”.
-
ومن الطرائف التي رواها نزار قباني بنفسه، أنه عندما دخل قاعة الموقار بالعاصمة، ومن كثرة الحضور ظن أن الناس حضرت لمتابعة شخص آخر، فجلس معهم وهو يقول في قرارة نفسه “ربما أراغون من سيلقي الشعر اليوم، ومن المستحيل أن يكون شاعرا عربيا في بلد، قيل إنه لا يتابع أخبار الشعر العربي، ومن شدة الازدحام جلس الناس في كل مكان، واحتلوا حتى المنصة الشرفية، واحتلوا كرسي الشاعر الذي من المفروض أن يلقي منه أمسيته الشعرية، وقال ضاحكا “الناس استهلكوا في القاعة كل شيء حتى الأوكسجين”..
-
وقال في كتاب نثري صدر له، إنه لو رشح نفسه في أي انتخابات شعرية في الجزائر لنجح بسنب الزعماء العرب التي تقارب المئة بالمئة، وسقط أراغون.. وإلى أن مات الشاعر الكبير فقد كان يقول دائما.. “آه كم هو جميل وجه الجزائر الذي رأيت” وكان يقول عن قسنطينة “إنها المدينة الطائرة وكأنني أرى السماء فيها لأول مرة في حياتي”.. للأسف نزار غادرنا في زمن الشعر الحقيقي، وللأسف ذكراه تمر هذا العام وكأنه لم يكن أبدا.. وهو الذي كتب في غربته ذات 1990 “أحاول منذ الطفولة رسم بلاد.. تسمى مجازا بلاد العرب.. أنا منذ خمسين عاما أراقب حال العرب.. وهم يرعدون ولا يمطرون.. وهم يدخلون الحروب ولا يخرجون.. وهم يعلكون جلود البلاغة علكا ولا يهضمون.