سورية .. معذرة أيها الدم الغالي!!
عندما ينطق التاريخ يقول: لا حرب بدون مصر ولا سلام بدون سورية، وسورية هي الجزء الأكبر من بلاد الشام بعد سايكس بيكو، وسورية هي تفاعل التاريخ العربي الإسلامي بالحضارات ونموذج الرقي والذوق والتطور الذي شع على الأمة مشرقا ومغربا.. فيها العلماء والصالحون وأساطير التاريخ .. وعندما ينطق الواقع يقول: سورية هذه تذبح اليوم من الوريد إلى الوريد وتفتك الوحوش الضارية بأحشائها، وهي تستغيث ولا مجيب إلا ذوو الأطماع والأهداف الخبيثة.. يريدون القضاء على سورية الوطن والدولة لتتفتت الجغرافيا وتتعدد الوظائف ويختم على ضياع فلسطين إلى الأبد حسب ما يخططون.
مباشرة وبتركيز وحتى لا تختلط الأمور على بعض الناس ممن يتابعون الشأن السوري يجب التأكيد على عدة معطيات أن النظام القائم في سوريا لم يكن ولم يعد مؤهلا لحكم سوريا، فالحاكم الذي يجعل ثَمن بقائه آلاف القتلى وعشرات الآلاف من المعتقلين الأحرار والمشردين في ديار الناس من أبناء شعبه لا يستحق الاستمرار.. ثم النظام الذي يواجه مظاهرات سلمية لأكثر من ستة أشهر بالعنف والاعتقالات والقمع يكون هو المتسبب الأول في تعفين المناخ والواقع السياسي للبلد.. وأن النظام الذي لا يدرك مآلات الأمور ويتورط أو ينزلق في حمام دم ولا يعرف مخرجا له إنما هو بلا شك لا يستحق البقاء.
هذه قاعدة ضرورية للإنطلاق في تحليل ما يجري، ولكنها أيضا لا تحكم بالصحة والخطأ على مآلات العمليات على الأرض، فهنا على الأرض يختلط القول والفعل صوابه بخطئه.. بمعنى أكثر وضوحا، لقد كان على كل الأحرار والشرفاء في العالم أن يقفوا مع شعب مقهور مظلوم محكوم بالديكتاتورية عشرات السنين.. كان على أصحاب الضمائر الحية أيا كانت مواقعهم وانتماءاتهم أن ينصروا الشعب السوري ضد أجهزة القمع التي تمارس عليه عنفا متواصلا.
ولكن لسوء حظ الشعب السوري ولسوء حظ الأمة جمعاء أن انفرد رهط من الناس برأي غير ما سارت عليه الثورة السورية المباركة.. واستجابة لنداءات شيخ قطر وأعوانه ووزير خارجية السعودية وأجهزة اعلامهما ذات الانتشار الواسع ودعوتهما إلى تسليح الشعب السوري، اندلعت نار الحرب المسلحة، وتوجهت الثورة إلى عمل عسكري وتوزعت المجموعات المسلحة بإيديولوجياتها المختلفة وبمصادر دعمها المختلفة، وفتحت الحرب أبوابها في مسلسل القتل والقتل المضاد والتدمير والتدمير المضاد.. هنا أصبح من غير الممكن أن يكون مؤيدو ثورة الشعب السوري ومطالبه الحقة في خندق الذين يتسلحون من قطر وتركيا والسعودية ومن خلفهم فرنسا وأوروبا.. هنا يكون من الصعب على كل صاحب لبّ وصاحب ضمير وحريص على أمته أن يقف في خندق الحلف الأطلسي أو قاعدة السيلية وعيديد.. ثم هناك ملاحظة في غاية الأهمية لقد كان النظام يقتل في ظل عدم تسلح المعارضين، ولكن قتله اليوم أكثر توسعا مستعينا بمبررات في ظل تشويه صورة المعارضة السورية وتشتتها واختلافاتها العديدة.
من هنا بالضبط يمكن تحديد الإشكالية، وهي أنه لا أحد يمكنه الوقوف ضد ثورة الشعب السوري ومطالبه الحقة، ولكن لا يمكن لمن عاهد الله ورسوله أن يتصدى لمؤامرات أمريكا وإسرائيل وقطر وأخواتها أن ينخرط في مؤامرة ستكون سورية الضحية الأولى فيها والشعب السوري هو الضحية الأولى، كما تكون مهلكة فلسطين تحصيل حاصل.
لعله بعد هذا القول تتضح خطوط الاتفاق والاختلاف الضرورية في الحكم على المواقف على من مع ومن ضد.. وفصل الخطاب في هذا أن دم السوريين وأعراضهم وأموالهم وكرامتهم خط أحمر، كل من يقترب منه فهو آثم آثم آثم.