الرأي

سوسيولوجيا الخيبة العربية…  قراءة في حوار مع الطاهر لبيب

عندما يُصغي المرء إلى الطاهر لبيب، أو يقرأ ما يكتبه، لا يشعر أنه أمام عالم اجتماع يكتفي بتفكيك الوقائع وتحليل البنى، ولا أمام أديب يتكئ على اللغة وحدها ليستعيد العالم، وإنما يجد نفسه أمام عقل تشكّل ببطء، عبر مسار طويل من الأسئلة والصدف والمدن والكتب والحرمان الأول، عقل تعلّم أن ينظر إلى المجتمع من داخله، وأن يكتب الثقافة وهو واعٍ بأن المعرفة التي لا تمسّ التجربة الإنسانية تظل معرفة منقوصة، مهما بلغت من الدقة والمفاهيم.

هذا الحضور الفكري والإنساني يتجلّى بوضوح في الحوار المطوّل الذي نشره موقع المفكرة القانونية مع الطاهر لبيب، وأجراه كمال الهلالي بتاريخ 14 ديسمبر 2025، وهو حوار لا يكتفي بتتبّع المسار الأكاديمي للمفكر التونسي، وإنما ينفذ إلى عمق تصوّراته حول الحب، والثقافة، والثورة، والعبث العربي، ومعنى التفكير في زمن انسحبت فيه السرديات الكبرى واشتد فيه لؤم الواقع.

هذا المسار لم يتكوّن وفق مخطط مسبق، ولم يُبنَ على يقين نهائي، وإنما تشكّل عبر لقاءات بدت في ظاهرها عابرة، غير أنها تركت أثرا عميقا في طريقة التفكير والكتابة، من جاك بيرك الذي جمع بين المعرفة والإنصات للثقافة العربية من داخلها، إلى لوسيان غولدمان الذي فتح أمامه أفق السوسيولوجيا التفهّمية، مرورا برولان بارت الذي جعله أكثر حذرا من كتابة لا متعة فيها، وفرنان بروديل الذي علّمه أن الظواهر لا تُفهم خارج الزمن الطويل. هكذا تبلورت سوسيولوجيا الطاهر لبيب بوصفها قراءة للثقافة والأدب والحب والسياسة من داخل المعنى، لا من موقع الإحصاء والتجريد.

في قلب هذا التكوين تقيم تجربة الطفولة بوصفها مخزونا لا ينفد، تجربة لا تُستعاد كحنين عاطفي، وإنما كأثر مؤسِّس للوعي، فحبة التمر شبه الذائبة التي التقطها صبي عطشان في أرض محصودة لم تكن مجرد ذكرى، وإنما لحظة انكشاف لمعنى اللذّة المشروطة بالسياق، ومعنى الهبة التي يولّدها الحرمان حين يتحوّل القليل إلى فيض دلالي، من هذا الإحساس تشكّل وعيه بأن الطفولة لا تزول، وأنها تتوزّع في اللاوعي وتعود في لحظات غير متوقعة، ومنه أيضا تولّدت قيمة الكرم لديه، كخلق اجتماعي وكشرط للفكر ذاته، إذ لا معنى لفكر لا يمنح ولا يفيض.

الكتابة عند لبيب تظل مرتبطة بالرغبة، رغبة لا تُفهم خارج المتعة، ولا تُمارَس دون قلق، فيكتب ما يحب، ويؤجل ما لا يجد فيه لذّة، ويظل سؤال الجدوى حاضرا، سؤال لماذا أكتب ولمن، وسؤال أكثر إقلاقا عن مدى تطابق ما كُتب مع ما كان يُراد قوله، هذا القلق جعله يعرض عن إتمام نصوص كثيرة، لا عجزا عن الكتابة، وإنما وفاءًا لأخلاقيتها، إذ لا قيمة عنده لنص يُنجز فقط لأن صاحبه قادر على إنجازه.

وحين يتحدث عن المثقف العربي، لا يهرب من وصف الإحباط، وقد سبق له أن حاول فهم أنماط اشتغال المثقفين وفق علاقتهم بالعالم، حيث يظهر المثقف التراجيدي بوصفه ذاك الذي يعي استحالة مشروعه ومع ذلك يتمسّك به، مدفوعا بإحساس عميق بالحق، وهو إحساس يولّد خيبة دائمة أمام واقع لا يستجيب، هذا الوعي لا يعني انطفاء الأمل، لأن الوعي الذي تحبطه التجربة يظل مشدودا إلى الممكن، حتى حين تضيق مساحاته.

وللمدن دور حاسم في هذا التشكّل البطيء، فتونس العاصمة كانت فضاء التكوين والاحتكاك الأول بالحياة الثقافية، وشارع بورقيبة بما حمله من نقاشات ولقاءات وصداقات أصبح جزءًا من الذاكرة أكثر مما هو من الواقع. وباريس ما بعد 1968 كشفت حدود التخصص حين ينغلق على نفسه، وأيقظت الحاجة إلى انفتاح العلوم الإنسانية على روافد معرفية متعددة، وبيروت منحت إحساسا نادرا بالانتماء العربي دون شعور بالغربة، وفتحت شبكة واسعة من العلاقات الفكرية، ومع ذلك يظل تعريف الذات أمرا مراوغا، لأن ما لا يُقال عنها يبقى أكثر كثافة مما يُقال.

تتوزع التأثيرات الفكرية في مساره بحسب مجالات الاشتغال، ففي اللغة والعبارة يعود إلى النفّري، وفي الكتابة الشعرية إلى درويش وأدونيس، وفي تحليل الثقافة إلى غرامشي وإدوارد سعيد، وفي العلوم الإنسانية إلى غولدمان وبروديل وبارت وبيرك، هذا التعدد لا ينتج تلفيقا، وإنما يعكس قناعة بأن المعرفة التي تنفصل عن المتعة، أو تنغلق داخل حقل واحد، تفقد قدرتها على الإضاءة.

وفي حديثه عن الثقافة العربية، يميّز بوضوح بين المبدعين والسياسات الثقافية، حيث يرى أن الهشاشة لا تكمن في الكائنات الإبداعية مهما قست ظروفها، وإنما في ثقافة مُسيَّسة لا تحتمل النقد وتخشى الاختلاف، والثقافة اليوم، في نظره، تميل إلى إنتاج اللامعنى، ومع ذلك يفضّل الصمت أحيانا على تكرار تشخيصات استُهلكت حتى فقدت أثرها.

أما الحب، فيُقرأ عند لبيب بوصفه تجربة لا تُعرّف إلا بتجلّياتها، وإحساس كوني تتغير صوره بتغير الأزمنة والمجتمعات، فحين كانت الحضارة العربية في مدّها، كان التعبير عن الحب غنيا ومبدعا، وحين دخلت المجتمعات في مراحل التفكك والضعف تقلّص هذا التعبير أو أعيد إنتاجه بصورة مكرورة. وفي العقود الأخيرة، ومع تفاقم لؤم الواقع، ضمر الحب في الشعر، وارتبك في الرواية، وتعرّض لتسطيح واسع عبر وسائل التواصل التي سرّعت إيقاعه وألغت صبره وانتظاره، فالحب، في جوهره، فعل مواجهة للحياة ضد ما يهددها، ومنحه للمعنى هو ما يجعل المحب يشعر بأن حياته أكثر كثافة، ولهذا تخشاه السلطات، لأنه خارج الضبط والسيطرة.

كما أن قراءته للثورة تنطلق من فهمها كصيرورة لا تُختزل في لحظة، وفي تونس، تعطّل هذا المسار حين التفّت عليه قوى سياسية ودينية ماضوية، مستندة إلى خوف ثقافي عميق من القطيعة، وهو خوف متجذّر في المخيال الجمعي، والقول إننا لم نعرف ماذا نفعل بالثورة لا يعني نهايتها، لأن تعطيل الصيرورات لا يلغيها، كما أن التدخل الخارجي لا يفسّر وحده ما حدث، لأن القابلية الداخلية له شرط سابق عليه.

وفي رمز البوعزيزي تتكثف هذه الإشكالية، صرخة تحوّلت إلى صوت جمعي، غير أنها بقيت بلا حامل رمزي طويل النفس، بطولة بلا بطل، ورمز لم يُثبَّت في الزمن، والعجز عن بناء الرموز يكشف عن خلل أعمق من الحدث نفسه، خلل يتصل بطريقة تعامل المجتمعات مع معاناتها ومع سردياتها. الصرخة عبّرت عن المهمشين، غير أن السؤال الأكثر إيلاما يظل متعلقا بميل بعض الفئات المضطهدة إلى إعادة إنتاج اضطهادها.

وحين يتحدث لبيب عن العبث العربي، فهو يشير إلى حالة انفصال عن العالم، حيث يتوهم الفاعلون مواقع وتأثيرا لا يجد لهما صدى، الكلمات تنفصل عن الوقائع، الخطاب يتحوّل إلى ضجيج، واللغة تُستنزف في استنفار بلا أثر، وفي هذا السياق تظهر فكرة الألوهيات العابسة، آلهة مثقلة بما يُرتكب باسمها من قتل وإبادة، ومع تقادم الأديان تتراجع حكمتها وتشتد قسوة استعمالها.

إن السرديات العربية الكبرى التي تلاشت كانت تعبيرا عن أقصى وعي بالممكن في زمنها، غيابها اليوم لا يعوّضه شيء، لأن المجتمعات التي تفقد أحلامها تفقد قدرتها على السرد، ونحن في زمن تتقلص فيه المسافة بين الممكن والمستحيل، حيث يتحول الممكن بسهولة إلى استحالة، وحيث الأفق المؤجل لا يُرى له موعد.

والطاهر لبيب لا يقدم نبوءات ولا وعودا، فالجوائز عنده اعتراف رمزي مريح، مع وعي كامل بأن مستحقيها كُثر، فتقاسمه الجائزة مع أطفال غزة ليس فعل إحسان، وإنما إيمان بأن من نجا منهم سيبدع ويفكّر بطرق لم يعرفها جيله، والأمل، إن وُجد، فهو مع جيل جديد لم تتشكّل لغته بعد، وربما يمتلك من الجرأة ما يكفي لابتكار معنى في عالم أنهكه العبث.

مقالات ذات صلة