“سوق زمان” بتلمسان.. من هنا تسافر إلى أزمنة مضت!
بمحاذاة القصر الملكي، داخل قلعة المشور الأثرية بتلمسان، وعلى مساحة تحاذي السور العالي، أقيمت احتفالية “سوڨ زمان” في طبعتها الثالثة، وسط ديكور يوحي بأنك داخل الأسواق الشعبية التي كانت في أزمنة مضت وجهة للناس من مختلف الفئات، باعة وزوارا، نساء، ورجالا وحتى أطفالا صغارا.
إن الجميع انصهروا للتماهي مع هذه الأجواء، أين تتعالى فيها الأصوات، وأولها نداءات الباعة، وإلقاءات الشعراء ممن كانوا يتخذون من مثل هذه الفضاءات مكانا للاسترزاق، حيث كل شيء قابل للبيع والشراء، بما في ذلك الشعر وأقوال الحكماء.
وإذا حاول عدد من الممثلين والفانين من أبناء الولاية وعدد من الشعراء، تجسيد “السوق” الشعبية ليس كفضاء تجاري واجتماعي، لكن أيضا كفضاء ثقافي وفني، من خلال استعراض تلك الأزياء التقليدية التي كان يرتديها الممثلون، فامتزجت بأزياء الشرق الجزائري التقليدية وبألبسة الجنوب الجزائري، وثياب الغرب الجزائري وبأزياء الشمال. وفي عرض احتفالي، حاول من خلاله الممثلون إبراز المكون الثقافي والتراثي للشخصية الجزائرية، من خلال الألبسة وبعض الملامح من الخصوصية الجزائرية في تعددها وتنوعها ومحاكاة اليومي في الحياة العادية للشعب الجزائري.
وتبقى الأسواق الشعبية تشكل في المخيال الجمعي للجزائريين، فضاء متعددا ومتنوعا، يضج بالحركية والنشاط الدؤوب، ومصدرا من المصادر التي تشكل الحياة لدى غالبية رواده.
وتحضر الأقوال الحكيمة على لسان ناظمي الشعر المحلون، بكل ما تحمل هذه الحكم والأقوال والأشعار من مدلولات ومعان تحاكي أهوال الدنيا ومصاعب الحياة، وتروي أيضا تجارب الآخرين بمسراتها وآلامها.
ويعرض الباعة من التجار والحرفيين بضائعهم وسلعهم، فتنتعش الحياة التجارية، ويتبادل زوار السوق الأحاديث وجديد الأخبار عن الأوضاع الحياتية، فلم يكن بذلك السوق مصدرا للتبضع، بل مصدرا متعددا يعكس بكثير من الدقة حياة الناس ويومياتهم، وهو ما حاول الممثلون والفنانون المنتسبون لتعاونية جيل ألفين تجسيده فنيا.
وإن الاحتفالية التي أشرف على تنظيمها المركز التفسيري للباس التقليدي، عرفت في طبعتها الثالثة، استضافة ولاية غرداية، بكل ما تحمله “تغردايت” من أصالة مجذرة في روح أبناء غرداية، فقد حضر اللباس “الميزابي”، بمحاكاة الأجواء التجارية داخل المجتمع الميزابي.
وأهم الأساليب التجارية داخل أسواق غرداية من بيع وشراء، كانت هي الأخرى حاضرة في تلمسان، وجاء كل ذلك وسط أنغام “الزرنة”، وطلقات البارود، والجوانب الفلكلورية، من خلال تلك الرقصات الشعبية التي أبدعت في أدائها إحدى الفرق القادمة من غرداية.
كما شهدت الاحتفالية أمسية شعرية نظمت داخل خيمة، أين تم إلقاء قصائد شعرية من قبل عديد الشعراء من داخل الولاية، وخارجها.
الاحتفالية التي حضر فيها سوق “تغردايت” ضيف شرف، تمسكت بنفس التقاليد والرمزية التي انطلقت بها منذ الطبعة الأولى، باستثناء تغير اسم التظاهرة، من سوق عكاظ إلى “سوق زمان”.
وسبق أن أشارت “الشروق” سابقا في مقال حول الاحتفالية في طبعتها الثانية، إلى أن اسم سوق عكاظ لا يعكس خصوصية أسواقنا الشعبية الجزائرية، ولا يحمل خصوصية منطقة تلمسان، في حين إن أسواقنا تعرف بجملة من الخصوصيات التي تعكس الهوية الجزائرية لحقبات تاريخية مضت، ولكن تم تدارك الأمر في الطبعة الثالثة، فتميزت أكثر في حضور العادات والتقاليد الغرداوية بكل ما تحمله المنطقة من ثقل حضاري وثقافي وفني.
وقد أبدى عديد المواطنين إعجباهم بهذه الاحتفالية، فيما رأى بعضهم ضرورة إخراج الاحتفالية من داخل قلعة المشور إلى الفضاءات المفتوحة، من أجل ضمان مشاهدة كبيرة من قبل المواطنين، ومعرفة أكثر بخصوصية السوق الشعبية الجزائرية، وتقريب هذا الإرث للمواطن، وذلك بالتنسيق مع السلطات المحلية، مثلما هي الحال مع احتفالية حب الملوك “الكرز”، التي يتم غالبا تنظيمها بوسط، فيعطي الاحتفالية وهجا خاصا وإقبالا واسعا.
وبمثل هذه الإجراءات المساعدة على استقطاب المواطنين، يمكن ضمان تحريك الحياة السياحية والتراثية في مدينة تلمسان.