اقتصاد
المحاكمة انطلقت بحضور 15 متهما و82 شاهدا ومرافعة كبار المحامين

سوناطراك لم تقدّم شكوى.. والقضية حرّكتها “الدياراس”!

الشروق أونلاين
  • 9163
  • 0

وسط حضور إعلامي مكثف لوسائل الإعلام الجزائرية والأجنبية، انطلقت أمس بمحكمة الجنايات بالعاصمة أطوار محاكمة المتهمين في قضية “سوناطراك1” التي أثارت الكثير من الجدل منذ تحريكها نهاية 2009 وإلى يومنا هذا، التي طغت عليها الإجراءات الجديدة التي أقرها رئيس الجمهورية في الأمر المعدل لقانون الإجراءات الجزائية شهر جويلية 2015. وتخص رفع التجريم عن المسيرين، ووضع حد للمتابعات القضائية بناء على الرسائل الكيدية والمجهولة.

كانت الساعة تشير إلى 9,42 دقيقة، وبعد انتظار لأكثر من ساعة في قاعة امتلأت عن آخرها، دخل رئيس محكمة الجنايات ومستشاروه ليعلن عن افتتاح جلسة المحاكمة، ويطلب من كاتب الضبط المناداة على المتهمين واحدا واحدا، ويتعلق الأمر بـ15 شخصا يمثلون إطارات سوناطراك ومسيري شركات خاصة، وأربع شركات متابعة كشخص معنوي، ليستوقفه دفاع الشركة الألمانية “كونتال فونكوارك “الذي أعلمه بأن ممثل الشركة المتابعة كشخص معنوي لم يتمكن من الحضور بسبب التأشيرة    . 

 غير أن القاضي رقاد، الذي بدا جليا أنه يريد المضي في المحاكمة ولن يقبل بأي سبب كان لتأجيل المحاكمة، أكد لمحامي الشركة أنها متابعة بجنحة وحتى وإن تعذر لممثلها الالتحاق بالمحاكمة التي ستستغرق مدة من الزمن، فالمحكمة الجنائية ستتخذ إجراءات التخلف في حقه ولن يعطل من سير المحاكمة، ليتدخل المحامي محاولا إقناع المحكمة بأن حضور موكله ضروري وأنهم اتصلوا بالقنصلية الجزائرية في ألمانيا لتسهيل إجراءات الفيزا من أجل حضور المحاكمة غير أنهم لم يساعدوه بشيء، إلا أن القاضي طلب منه أن لا يقلق ليقول له: “إن لزم الأمر ستأمر المحكمة النائب العام ليراسل وزارة العدل للتدخل لدى الخارجية للبت في المسألة”. وأضاف: “توجد حلول قانونية إذا لم يستطع موكلك الحضور“.

 

114 شاهد.. اثنان توفيا و30 لم يحضروا

واصل القاضي إجراءات المحاكمة، من خلال المناداة على الأطراف المدنية وممثل شركة سوناطراك والوكيل القضائي للخزينة، وبمجرد ذكر الخزينة تدخل الأستاذ ميلود ابراهمي ليقول لرئيس المحكمة إن لديه تحفظا بخصوص تأسيسه كطرف مدني، إلا أن القاضي طلب منه التريث وتأجيل ملاحظاته إلى أن ينتهي من المناداة على الشهود وباقي الأطراف. وتبين من خلال القائمة التي تلاها القاضي أن أغلبية الشهود من الجنس اللطيف. ووصل العدد الإجمالي للشهود إلى 114 منهم اثنان وافتهما المنية وثلاثون لم يحضروا الجلسة بالرغم من أن المحكمة سبق أن أجلت القضية لإحضارهم بالقوة العمومية.

 ويبرز من بين الحضور اسم المدير السابق لمجمع سوناطراك، سحنون سعيد، الذي سبقه زرقين عبد الحميد، فيما تقدم دفاع محمد مزيان بطلب استدعاء ثلاثة شهود بالقوة العمومية. وهو ما وافق عليه القاضي على الفور. وشهدت الجلسة حضور شاهد كان متهما في الملف واستفاد من انتفاء وجه الدعوى، حيث تقدم أمام المحكمة بمجرد مطالبة المحامية شنايف بإحضاره بالقوة العمومية.

واستمر القاضي في الإجراءات الشكلية للمحاكمة من خلال المناداة على المترجمين والتأكد من حصولهم على اعتماد لدى المجلس، حيث بلغ عددهم أربعة مختصين في الترجمة بالفرنسية، الألمانية، الإنجليزية، الإيطالية. وشدد عليهم رئيس المحكمة على ألا يغادروا القاعة إلى غاية إكمال المحاكمة ونهايتها حتى يتمكن المتهمون الأجانب من معرفة كل صغيرة وكبيرة أثناء المناقشات. وانتقل إلى اختيار المحلفين. ولأن المحاكمة ستطول لأسابيع فقد تم اختيار محلفين أصليين وثالث احتياطي، وكذا الاستعانة بقاض مستشار احتياطي وهذا تحسبا لأي طارئ. وبعد تلاوة نص القسم على المحلفين وأدائهم اليمين تم تشكيل محكمة الجنايات في الساعة العاشرة والنصف صباحا.

 

طيف حسين آيت أحمد يخيم على المحاكمة

بمجرد اختيار تشكيلة محكمة الجنايات، عاد الجدل من جديد والنقاش القانوني ليخيم على الجلسة، حيث طالب أحد المحامين بتسريح الشهود وأغلبهم إطارات دولة ونساء وإعفائهم من البقاء في المحكمة إلى غاية تخصيص جلسة سماع محددة لهم، إلا أن هذا الطلب قوبل بالرفض من قبل محامين آخرين ومنهم شايب صادق الذي اعتبر أن ترك الشهود يغادرون القاعة ومتابعتهم للمحاكمة عبر وسائل الإعلام سوف يؤثر عليهم، متسائلا: “كيف للمحكمة أن تحرر أمر ضبط وإحضار الشهود واليوم تسمح لهم بالذهاب“.

 ليتدخل الأستاذ آيت العربي مقران، الذي أكد أنه لا يوجد أي نص قانوني يمنع من انصراف الشهود إلى غاية تاريخ سماعهم، لتنسحب هيئة المحكمة دون إشراك المحلفين للمداولة في طلبات الدفاع. وبعد نحو نصف ساعة أمر القاضي بتسريح الشهود إلى غاية يوم الخميس ليخبرهم حينها بتاريخ الجلسة، ليتدخل المحامي بوشاشي الذي طلب طلبا غريبا من المحكمة، إذ استأذن القاضي ليغير تاريخ حضور الشهود إلى يوم آخر وهذا ليتمكنوا من إلقاء النظرة الأخيرة على جثمان الفقيد حسين آيت أحمد، لكن رئيس الجلسة صمم على يوم الخميس مشيرا إلى أن الاحتمال كبير أن يتأجل سماعهم إلى يوم آخر، ليغادر الشهود القاعة مباشرة.

 

المحامون يرفضون تأسيس الخزينة العمومية للمرة الثالثة

كما فتح القاضي الباب لتقديم الدفوعات، ليرجع المحامون من جديد ويلتمسوا من هيئة المحكمة الفصل النهائي باستبعاد تأسيس الوكيل القضائي للخزينة العمومية، حيث طالب مقران آيت العربي هيئة المحكمة بالاحتكام إلى القانون، مشيرا إلى أن الخزينة العمومية لم يصبها ضرر في القضية، لأن الوقائع والمنشآت محل المتابعة لم تنجز بأموال الخزينة بل بأموال سوناطراك. وأضاف: “فلنترك الشعب في مكانه ولا نتكلم باسمه“.

وفي نفس السياق، اعتبر المحامي بوشاشي مصطفى أنه سبق أن تم التنازع عن الخزينة من قبل ولكن بقي الأمر غامضا حسبه، ليطالب محكمة الجنايات باتخاذ قرار لمنع تأسيسها، مشيرا إلى أن إرجاء الفصل في الموضوع إلى غاية انتهاء المحاكمة سيجعل من الوكيل القضائي للخزينة طرفا وسيخول له طرح الأسئلة والمشاركة في المناقشات.

بدوره، دفاع شركة سوناطراك، تدخل للفصل في النزاع، ليؤكد أن سوناطراك وحدها المتضررة في الملف، وتأسيسها في القضية يتنافى وتأسيس الخزينة، مؤكدا أن سوناطراك تخضع للقانون التجاري. واعتبر أن طلبات الخزينة ستتناقض مع طلبات سوناطراك، فيما تساءل محامي الخزينة في إجابته على طلبات دفاع المتهمين إن كانت المحكمة قد أجابت على هذا الطلب في جلساتها السابقة أم لا؟ مضيفا أن الخزينة لديها الحق في التأسيس في الجلسة للمطالبة بالأضرار التي لحقت الدولة.

 

مرافعات لتطبيق مادة رفع التجريم عن التسيير

وأثار النقيب عثماني محمد في دفوعاته الشكلية مسألة رفع التجريم عن فعل التسيير التي تم إقرارها بأمر رئاسي في آخر تعديل مس قانون الإجراءات الجزائية شهر جويلية 2015، ليطالب بانقضاء الدعوى العمومية في حق موكله مزيان محمد، مستدلا بالمادة 6 مكرر في القانون المعدل، التي تقتضي وجود شكوى مقيدة من قبل المؤسسات الاجتماعية والشركات ضد المسيرين لمتابعتهم. وأشار في السياق إلى أن الصفحة 150 من قرار الإحالة تثبت أن سوناطراك لم تقدم شكوى في الملف، حيث تم استدعاؤها لسماعها كطرف مدني في القضية التي حركتها مصالح الضبطية القضائية للأمن العسكري “الدياراس”. ونفس ما ذهب إليه المحامي واعلي نبيل الذي استدل بحكم محكمة القطب الجزائي المتخصص سيدي أمحمد في قضية مماثلة في ديسمبر الجاري والقاضي بانقضاء الدعوى العمومية لانعدام شكوى شركة سوناطراك.

فيما طالب المحامي شايب صادق بإشهاد لتطرح محكمة الجنايات سؤال إضافي بخصوص تطبيق المادة 6 مكرر التي تخص تجريم فعل التسيير وكذا تشترط وجود شكوى قبل المتابعة الجزائية، معتبرا أن جميع المتهمين هم مسيرون في سوناطراك، ملتمسا تطبيق القانون الأصلح المعدل بأمر رئاسي الذي يشترط تقديم شكوى من قبل المؤسسات الاجتماعية وليس متابعة مسيرين بناء على رسائل مجهولة أو مجموعة معلومات، مطالبا المحكمة بتطبيق توصيات وزير العدل في هذا السياق.

غير أن محامي سوناطراك الأستاذ سعيد عبدون، استبعد تطابق نص المادة المذكورة من قبل دفاع المتهمين مع الوقائع التي انطلق التحقيق فيها في 2009، كما اعتبر أنه لا يمكن تطبيق القانون المعدل بأثر رجعي، مشيرا إلى أن المتهمين متابعون وفقا لقانون العقوبات وكذا قانون مكافحة الفساد. وأضاف أن وقائع القضية تمت في ظل القانون القديم وكانت بصفة قانونية.

 

 النائب العام يرفض تطبيق قانون الإجراءات الجزائية الجديد

وتدخل النائب العام الذي أكد على أن القوانين الإجرائية الشكلية تطبق بشكل فوري في حالات معينة فقط، ونوه بأن المشرع في تعديله الجديد شهر جويلية 2015، حدد في نص المادة الجرائم التي يشترط فيها الشكوى وهي الاختلاس والإهمال المتسبب في ضياع المال العام المحددة في المادة 119 مكرر، غير أنه –يضيف- استبعد تهم إبرام صفقات والرشوة والجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الفساد، لتدخل هيئة الدفاع عن المتهمين في جدال ومناقشات حادة مع النيابة العامة والأطراف المدنية، مطالبين بتطبيق القانون الجديد والقضاء بانقضاء الدعوى العمومية.

من جهته، الأستاذ مراح يوسف طالب بتقادم الدعوى العمومية في حق موكله مزيان بشير فوزي مستدلا بتحريك الشكوى ضده في جانفي 2010 على وقائع وعقود تمت خلال سنوات 2004 و2005 و2006، إلا أن ممثل الحق العام رفض الدفع بالتقادم في القضية التي قال إنها وقائع مستمرة من 2004 حتى 2009، مشيرا إلى أن المتهم متابع بالرشوة وهي جريمة لا تتقادم.

 

قرار الإحالة يكشف عن المزايا والهدايا التي تلقاها إطارات سوناطراك

هكذا تم بيع ريع “البقرة الحلوب” واقتسامه

كشفت تلاوة  قرار الإحالة، أمس، من قبل كاتب الضبط لدى محكمة الجنايات، تمهيدا لمحاكمة المتهمين في قضية سوناطراك، عن خبايا الفساد التي عصفت بالشركة، مقابل هدايا وامتيازات تحصل عليها  أبناء محمد مزيان، نظير حصول الشركة الإسبانية سايبام والألمانية كونتال فونكوارك على صفقات في سوناطراك.

وبيّن قرار الإحالة أن العقود التي تم إبرامها من قبل مجمع سوناطراك في إطار صفقة “كاجي3”  أنبوب الغاز غالسي والذي رسا على الشركة الإيطالية سايبام، تم عن طريق التراضي ومخالفا لقانون الصفقات المعمول به في سوناطراك، وتمت الموافقة على الصفقة من دون المرور على المناقصة، وهذا من قبل وزير الطاقة والمناجم السابق شكيب خليل، في مراسلة رسمية بعث بها إلى الرئيس المدير العام محمد مزيان، ورغم  تحذيرات الخبراء بسبب السعر الخيالي الذي قدمته “سايبام” المضخم بنسبة 118 بالمائة مقارنة بالميزانية.

كما يبرز من خلال قرار الإحالة مجموع الهدايا والامتيازات التي تحصل عليها إطارات مجمع سوناطراك من الشركات الأجنبية الناشطة في الجزائر، سواء من شركة “سايبام” الايطالية، أم المجمع الألماني “كونتال ألجيريا”، وهذا لتقسيم كعكة “سوناطراك” على هذين الشركتين خدمة لمصالح مسؤولين في سوناطراك وأبنائهم.

حيث كشف التحقيق أن ابن محمد مزيان، الثاني “م،م،ر” عمل مستشارا لدى المجمع الإيطالي “سايبام” مقابل 14 مليون سنتيم شهريا من دون إلزامه بالحضور للمقر، كما تبين أنه تلقى مبلغ 400 مليون سنتيم من عند “تيليو أورسي” نقدا بمكتبه، وهذا لغرض شراء سيارة لزوجته من نوع “أودي 5” في سنة 2009، وهو المبلغ الذي اعتبره ابن مزيان على أساس قرض، كما تبين أن ابن محمد مزيان “م،م،ر” أقام عرسه في فندق بتونس، ونفقات الاحتفال بالعرس الذي حضرته شخصيات ورجال أعمال، كانت على حساب الرئيس المدير العام لشركة “سايبام” “تيليو أورسي”، وهناك كان لقاؤه مع الرئيس المدير العام لسونطراك محمد مزيان .

 وتكشف تصريحات المتهمين في قضية سوناطراك، أن عائلة محمد مزيان، وهو الرئيس المدير العام لمجمع سوناطراك استفادت من مزايا وامتيازات عدة، وكل هذا في إطار الصفقات التي تم إبرامها مع الشركات الأجنبية العاملة في الجزائر في قطاع الغاز والنفط، حيث يعترف المتهم “أ، م” وهو مسيّر المجمع الألماني في الجزائر “كونتال ألجيريا”، أنه اشترى شقة لزوجة محمد مزيان في باريس خلال سنة 2008.

 كما صرح المتهم “ا،م” أنه اشترى فيلا لأبناء محمد مزيان أيضا، بقيمة وصلت 65 مليون دينار، ولم يكن تقديم المتهم لهذه الهدايا الباهظة الثمن بالشيء العادي، إنما كان المقابل هو حصول شركته “كونتال ألجيريا” على حصة من مشروع “المراقبة البصرية والحماية الإلكترونية لمنشآت سوناطراك، والتي ساعده فيها ابن محمد مزيان “م،ب،ف” الذي توسط له عند والده لإرساء المناقصة عليه، في الوقت الذي كان عرض المجمع الألماني بالجزائر باهظ الثمن مقارنة بعروض بقية الشركات، ولأن ابن محمد مزيان أصبح مساهما وشريكا في المجمع الألماني الجزائري بنسبة 200 حصة، فكان ذلك سببا لمنح شركته الصفقة عن طريق التراضي ودون احترام قوانين الصفقات العمومية.

هي التصريحات التي حملها قرار الإحالة بخصوص الامتيازات والهدايا التي تحصل عليها إطارات سوناطراك، والتي أنكرها محمد مزيان وأولاده وباقي المتهمين جملة وتفصيلا أثناء استجوابهم في الموضوع، في انتظار ما ستسفر عنه جلسة الاستجواب التي ستنطلق بعد الانتهاء من تلاوة قرار الإحالة والذي يضم 299 صفحة.

 

*شاهد أيضا

مقالات ذات صلة