الرأي

سياسة الممنوعات تغزو الاقتصاد

عابد شارف
  • 3654
  • 0

اجتهدت الحكومة الجزائرية مرة أخرى، واستشارت خبراءها، وطلبت رأي المنجمين والفقهاء، والعلماء في علم الاقتصاد وفنون التسيير، ونظمت الملتقيات والمحاضرات، ودرست كتب التاريخ التي تروي حكمة العظماء وعظمة الحكماء، فكان الاكتشاف العظيم. وبفضله، توصلت الحكومة إلى طريقة في تسيير الاقتصاد لم يدركها أحد في الماضي، ولن يصل إليها أحد في القرون القادمة.

فبعد هذا الجهد العظيم، اتفق أعضاء الحكومة على صيغة تضمن رفاهية البلاد، ونمو اقتصادها، وازدهار عبادها، كما تضمن أرقاما في التنمية تفوق ما وصلت إليه الصين، وحياة سعيدة أفضل مما تعرفه السويد والنرويج، ووجدت الحكومة طريقا لفرض السلم الاجتماعي والمودة والمحبة في العلاقات بين الناس. وقالت الحكومة أن هذه الطريقة الجديدة في التسيير ستكون مبنية على فكرة بسيطة جدا: إنها مبنية على الممنوعات. فكل شيء ممنوع إلا ما تسمح به الحكومة. ممنوع عليك تأسيس الأحزاب والجمعيات، وممنوع عليك إنشاء جريدة جديدة أو قناة تلفزيون، وممنوع عليك أن تسافر إلى الخارج إن كنت أستاذا في الجامعة، وممنوع عليك حتى أن »تحرق« إذا أردت أن تهرب من قوم الممنوعات.

وهكذا، لجأت الحكومة إلى الممنوعات لتسيير الاقتصاد لما عجزت عن مواكبة العصر. وبعد أن استسلم الجزائريون أمام هذا القرار، أرادت الحكومة أن توسعه إلى الأجانب الذين يتعاملون مع الجزائر أو يتجرؤون للاستثمار في بلادنا. ودشنت الحكومة هذه المسيرة المظفرة مع قانون المالية المكمل لسنة 2009 الذي كان ينص على أنه لا يجوز للأجانب أن يستثمروا في الجزائر لوحدهم، بل عليهم أن يتعاملوا مع شريك جزائري تكون له الأغلبية في أي استثمار. وفرضت الحكومة على الشركات الموجودة من قبل أن تتعاقد إجباريا مع طرف جزائري يصبح شريكا في المشروع.

وقرر مجلس الوزراء هذا الأسبوع توسيع هذا القرار إلى البنوك، من خلال التوجيهات التي سيتم تطبيقها عن قريب. ولم يتضح لحد الآن هل سيتم تطبيق القرار على المؤسسات البنكية التي سبق لها وأن دخلت السوق الجزائرية من قبل، رغم أن مصادر قريبة من وزارة المالية تؤكد أن القرار لن يشملها. ولا نرى كيف يمكن لشركة “صوتيتي جنرال”  Société Générale أو Citibank سترحب بقرار يفرض عليها شريكا جديدا اسمه علي بن عبد القادر لا يملك شيء سوى جنسيته الجزائرية.

وتعني هذه القرارات أن الركود سيسيطر على قطاع المالية لسنوات عديدة. وتقول أرقام نشرتها هيئة مختصة أن الاستثمار الأجنبي في الجزائر انهار بنسبة 60 إلى 80 بالمائة خلال السداسي الأول من السنة الحالية، كنتيجة أولى لهذه التدابير. ومن جهة أخرى، فإن مستوى التضخم بلغ أرقاما مخيفة، بينما يبقى الاقتصاد الوطني يعرف نموا متواضعا رغم توفر الأموال والطلب الهائل على كل المنتوجات.

ولم تعرف الحكومة كيف توجه تطور الاقتصاد الوطني بتدابير تسبق الأحداث، فبقيت في وضع المتفرج، تتابع ما يحدث وتمنع ما لم تستطع أن تتجنبه. فمنعت قروض الاستهلاك لما انتشرت، ومنعت الأجانب من شراء الشركات التي تمت خوصصتها بعدما باعت شركة “أواسكوم” مصانع الإسمنت التي اشترت بثمن رخيص من قبل، ومنعت الحكومة الأجانب من الاستثمار لما استثمروا وحققوا أرباحا… ومع كثرة هذه التجارب، أصبحت الحكومة الجزائرية خبيرة في ميدان الممنوعات…

مقالات ذات صلة