سيداتٌ يستنجدن بالخادمات والبطالين لغسل الدوارة و”تشويط البوزلوف”
يحدث عيد الأضحى حالة من الطوارئ عند العائلات الجزائرية حيث كانت النسوة في السنوات الماضية يتنافسن في غسل “الكرشة” أو “الدوارة” و” تشويط البوزلوف” وغسل “الهيدورة”، ثم عرضها أمام مرأى الجيران كدليل على نشاط ربة البيت وسرعتها في أداء الأعمال المنزلية، فيدفعهن حب لقب “الشاطرة” للحرص على الانتهاء المبكر وتحضير وجبة الغذاء لأفراد عائلتها في فترة زمنية قصيرة جدا دون تكدير أو شكوى، إلا أن هذه المهارات العالية اختفت من البيوت الجزائرية لتحل محلها سيداتٌ شابات يقضين أيامهن قبل عيد الأضحى في البحث داخل صالونات الحلاقة والحمامات عن سيدات فقيرات يساعدنهن في الأعمال المنزلية مقابل مبالغ مالية بسيطة.
تنتهز الكثير من السيدات فرصة المناسبات الدينية والأعياد في الاهتمام بجمالهن وثيابهن، فتتحول المناسبة إلى فرصة للتفاخر بأرقى الملابس وأحدث قصات الشعر، غير أن عيد الأضحى يختلف عن الكثير من المناسبات الدينية بكثرة الأعمال والأشغال فيه بداية من اليوم الذي يتم اقتناء الخروف فيه، ثم نحره يوم العيد والانشغال بزوائده وأحشائه وصولا إلى ثاني أيام العيد حيث يتم تقطيع اللحم وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين.
ولأن بنات الجيل الراهن يفتقدن الخبرة والحنكة المنزلية التي كانت تتميز بها السيدات قديما أصبحن يستنجدن بالخادمات والمنظفات وأحيانا أخرى بشبان بطالين فقط لإنقاذهم من شبح “الداوارة” و”البوزلوف”، فيهدرن أياما وساعات طويلة في البحث عن ضالتهن في المجالس والتجمعات النسوية.
تقول “صبرينة”، 32 سنة، عاملة، متزوجة منذ 6 سنوات وأم لطفلين، التقيناها في صالون حلاقة: اعتدت كل سنة على قضاء عيد الأضحى في منزل أهل زوجي، وهناك تقوم حماتي رفقة بناتها بالاهتمام بأمور الكبش بينما أنا أعتني بأبنائي الصغار، لكن العيد في هذه السنة مختلف جدا فبعد أن تزوجت شقيقات زوجي وسافرت حماتي وزوجها إلى البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج لم يتبق سوى إخوانه الشبان، فلذا عزم زوجي على أن يتم النحر في بيتي ولأني لا أملك خبرة قررت الاستنجاد بالمنظفة التي تعمل معنا في الشركة، فهي سيدة فقيرة تعيل أبنائها ولديها زوج مريض وليس بإمكانها اقتناء خروف للعيد، فطلبت منها أن تأتي لتساعدني وسأمنحها 2000 دج مع كمية من اللحم بالإضافة لـ”الهيدورة” وقد أبدت موافقتها سريعا.
وفي المقابل، تعتقد السيدة “فتيحة” أن العيد فرصة مناسبة للشبان الراغبين في كسب الأموال، ففي حيهم الشعبي بباش جراح، يقوم مجموعة من الشبان بالتجول في الأحياء والتنقل إلى عائلات أصدقائهم ليقوموا بغسل “الدوارة” و”تشويط البوزلوف” باستعمال “الشاليمو”، مقابل مبالغ مالية تتراوح مابين 1000 و1500 دج.
والغريب أن النساء يرحبن بالأمر مع أن غسل “الدوارة” و”تشويط البوزلوف” لا يتطلبان أكثر من 20 دقيقة لتكون جاهزة ولا يتطلب خبرة أو معرفة خاصة، وتؤيدها الرأي كنتها “عالية”، والتي لم تكن تعرف شيئا في الأعمال المنزلية، إلا أنه بفضل إصرار حماتها استطاعت الاستفادة من خبرتها فأصبحت تتفنن في غسل “الدوارة” وحتى الجزء الذي يسمونه العجائز بـ”طلاقة سبع نساء”، ثم تضعها في الماء الساخن وباستعمال سكين تزيل ما عليها أو تضعها في الماء والجير فيتساقط غلافها الداخلي وتغسلها عدة مرات لتصبح جاهزة، تتدخل حماتها “لقد تفوقت عليّ وأنا الآن أكتفي بالمشاهدة فقط”.
في حين يعتبر “مصطفى” وصديقه “بلال” أن خوف الرجال وكسل النساء على حد سواء قد فتح لهم أبواب رزق جديدة، فهو الآن يعدّ عدته ليذبح خرفان جيرانه ويسلخها بمساعدة صديقه، ثم يتولى أحدهما غسل الدوارة والثاني “تشويط البوزلوف” في وقت قياسي ويجنيان 5 آلاف دينار عن كل خروف، مستطردا أن غالبية النساء يتحججن بالغثيان والنفور من “الدوارة” ورائحتها، وانزعاجهن من ذلك فقط ليتهربن من عملهن.
ولأن حكايات كسل النسوة تفشت وأصبحت معروفة لدى الجميع عثر شبانٌ آخرون على سبل أخرى للرزق، وتتمثل في جمع الجلود “الهيدورة” التي يتم التخلصُ منها برميها في الشارع أو داخل أكياس سوداء، فيجمعونها ثم يعيدون بيعها لباعة الصوف. يصرح “سفيان”: النساء في الأحياء الشعبية انتقلت إليهن أيضا عدوى رمي “الهيدورة” أو تركها على أرصفة الطريق إلى أن تتحلل وتنبعث منها رائحة كريهة، فيرمينها وهو ما دفعني للتجول في الشوارع عشية العيد وشرائها بمبالغ رمزية بل هناك من يمنحنا إياها بدون مقابل مادي فقط هروبا من غسلها وتعريضها للشمس.
وحتى لو عثرت السيدات على الآلاف من المبررات الوهمية للهروب من مواجهة خروف العيد، فبدافع المرض أو الضيق وضرورة ذبحه في المذبح أي “الباطوار” أو حتى الاستعانة بأخريات ليشاركنهن متاعب العيد، فهن يضيعن بذلك لحظات جميلة ويحرمن عائلتهن من عيش مشاهد قد لا تتكرر مرة أخرى.