الجزائر
بعد ثلاث سنوات من انتخاب الرئيس تبون

سيف العدالة يطيح برؤوس الفساد والخزينة تسترجع أموالها

نوارة باشوش
  • 4791
  • 0
أرشيف

تشكّل السنوات الثلاث الأولى من حكم الرئيس عبد المجيد تبون، سابقة في تاريخ محاربة الفساد في الجزائر، فقد ناهز عدد الوزراء ورؤساء الحكومات الذين اقتيدوا إلى السجن أو محكوم عليهم بالسجن، نحو ثلاثين، ناهيك عن مسؤولين كبار بمستوى ولاة وإطارات سامية في الإدارة والمؤسسات الاقتصادية العمومية والخاصة. وذلك انسجاما مع الوعود التي أطلقها الرئيس تبون في حملته الانتخابية، بقطع دابر الفساد، واقتحام أوكار المفسدين، الذين نهبوا أموال الشعب وتلاعبوا بمقدرات الدولة.
قطعت الجزائر خلال 2022، أشواطا غير مسبوقة في الحرب الشرسة على الفساد، الذي نخر الخزينة العمومية بنهب المال العام وتبديده في مشاريع وهمية وصفقات بعنوان “الاستعجال والتراضي”، الذي لم يكن في حقيقته سوى محاباة وامتيازات غير مشروعة لذوي النفوذ و”الكارتل المالي” في العهد البائد.
ولم يكن ذلك ليتحقق إلا بإرادة فولاذية لرئيس الجمهورية، القاضي الأول للبلاد عبد المجيد تبون، حيث جعل من استرجاع الأموال المنهوبة الأولوية القصوى في التزاماته الانتخابية مع الجزائريين.
وفي السنة الثالثة من عهدته الرئاسية، تقف “الشروق” عند أبرز معالم الحرب على الفساد التي خاضها القضاء الجزائري منذ مطلع العام الجاري، حيث سقطت رؤوس كبيرة وأخرى في طريقها إلى السجن، بما شكل رادعا قويا للمسؤولين بأن من يغترف من المال العام ينتهِ به المطاف سجينا أو طريدا في الخارج، لكنه لن يفلت في نهاية المطاف من العقاب العادل. وما أسهم في تحقيق ذلك، تعزيز أدوات الرقابة والوقاية من الفساد عبر استحداث ثلاث هيئات جديدة، الأولى تتمتع بالاستقلالية التامة وهي السلطة الوطنية للشفافية والوقاية من الفساد، والثانية مهمتها التحري في مظاهر الثراء عند الموظفين العموميين انطلاقا من مبدإ “من أين لك هذا؟”، أما الهيئة الثالثة، فتتعلق بتنصيب المفتشية العامة لمصالح الدولة والجماعات المحلية التابعة إلى رئاسة الجمهورية.

استرجاع الأموال المنهوبة.. معركة القضاء
وتعهد الرئيس تبون قبل وصوله إلى الحكم باسترجاع جميع الأموال التي تم نهبها وتهريبها من طرف رموز الفساد في عهد الرئيس السابق، وشدد على أنه “مصمم على استرجاع الأموال المنهوبة، لأن محاربة الفساد واجب والتزام قدمه أمام الشعب”، موضحا أن الثغرات التي شهدتها مؤسسات الدولة، وما نجم عنها من تبديد للأموال لن تتكرر مجددا.
والمبدأ نفسه أكد عليه وزير العدل حافظ الأختام، عبد الرشيد طبي، حينما شدد على أن المعركة الأساسية بالنسبة إلى قطاع العدالة في الجزائر تتمثل في “محاربة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة وإرساء عدالة ذات مصداقية”. وهذا، خلال دعوته جميع الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، إلى تنفيذ التزاماتها الدولية وتسريع الإجراءات بغرض تسهيل استرداد الأموال المنهوبة، كما قدم اقتراحا لإعداد بروتوكول عربي متعلق بالتعاون من أجل استرجاع الأموال المهربة إلى الخارج، خلال الدورة الـ37 لمجلس وزراء العدل العرب، يكون مكملا للاتفاقية العربية لمكافحة الفساد.
وعلى الرغم من محاولات التشكيك في المسعى النبيل من طرف جهات وأطراف خفية، خصوصا ما تعلق بالأموال المهربة إلى الخارج في ظل القوانين المشددة والاتفاقات المبرمة بين الدول، فإن تشديد الرئيس تبون على ضرورة إدراج أحكام ترتبط باستحداث صندوق خاص بالأموال والأملاك المنهوبة المصادرة، التي ستتم مصادرتها بناء على أحكام قضائية نهائية في إطار قضايا محاربة الفساد، أبطل كل “التهم”، وهو ما ترجمه بيان السياسة العامة للحكومة، التي كشفت مؤخرا عن تنفيذ 43 إنابة قضائية دولية من ضمن 219 إنابة تم إصدارها.
وقد سمحت الإنابات القضائية المنفذة بالتعاون مع الخارج باسترجاع عقارات وفنادق وممتلكات ناجمة عن أموال مهربة، في عدد من الدول، من بينها لبنان وإسبانيا وفرنسا والإمارات، كانت ملكا لرجال أعمال ملاحقين في قضايا فساد، فيما تجري حاليا معالجة 156 إنابة من قبل السلطات القضائية الأجنبية المعنية، لاسترجاع أموال مكافحة الفساد. وقد طلبت الجزائر من الدول التي بها ممتلكات الملاحقين في قضايا الفساد معلومات، كما طلبت تحديد وحجز ومصادرة الأموال المهربة إلى الخارج.
ومكنت الإجراءات المتعلقة بمكافحة الفساد من إحباط محاولات إخفاء أو تبديد عائدات الفساد بفضل جهاز “اليقظة” الذي تم إنشاؤه في وقت سابق، ما سمح باسترجاع أملاك عقارية ومنقولة هامة، ومنع تهريب هذه الأموال إلى الخارج، حيث سارع القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بطريقة استعجالية إلى حجز الممتلكات الظاهرة والخفية للمتابعين في الفساد، في خطوة استباقية لاسترجاع الأموال المنهوبة، حيث كانت البداية بتاريخ 20 فيفري 2022، بمداهمة “فيلا” الوزير الهارب من العدالة، عبد السلام بوشوارب، وتواصلت العملية مع بقية جميع المتهمين والمحكوم عليهم في قضايا الفساد التي فتحتها الأجندة القضائية منذ 2019، على غرار رجال الأعمال والوزراء وإطارات الدولة.
وإلى ذلك، سارع القضاء الجزائري، تنفيذا لتعلميات رئيس الجمهورية، إلى استكمال عملية الجرد النهائي لأملاك وأموال وعقارات المتابعين في قضايا الفساد، الذين صدرت في حقهم أحكام نهائية، ووضعها تحت سلطة الدولة وإدماجها في عجلة الإنتاج الوطني، وهذا قبل 31 ديسمبر 2022، فيما كلف وزير الصناعة بمتابعة وجرد المصانع المملوكة لرجال الأعمال المدانين في قضايا فساد، تمت تسوية وضعيتها القانونية وقيمتها المالية بالعملة الوطنية والصعبة لإعادة تشغيلها وتوفير مناصب الشغل، وهي العملية التي تكفلت بها لجان خاصة التي كانت تعمل على قدم وساق منذ أزيد من 8 أشهر على تحديد وإحصاء الممتلكات والأصول الرئيسة التي تملكها المجمعات الاقتصادية المعنية، كما عملت على تأمين المواقع التي تتواجد فيها الممتلكات والتجهيزات المصادرة والمعرضة للنهب والسرقة.
من جهتها، فإن مصالح الجمارك قامت بإحصاء جميع الممتلكات والتجهيزات الخاصة برجال الأعمال المتابعين والمدانين في ملفات فساد، التي كانت عالقة على مستوى المناطق الجمركية. وهذا بالتنسيق مع المتصرفين القضائيين العاملين على مستوى المجمعات الاقتصادية الثلاثة عشر، المتابع أصحابها قضائيا أو صدرت في حقهم أحكام قضائية، فيما تكفلت مديرية الأملاك الوطنية ببيع كل الممتلكات العقارية والمنقولة، التابعة للأشخاص الطبيعيين المتابعين أو المدانين قضائيا، التي تمت مصادرتها التي لا تندرج ضمن وسائل الإنتاج، وتحويل نتاجها وكل القيم والأموال المصادرة، إلى حساب التخصيص الخاص الحامل للرقم ” 152 ـ302 ” الذي عنوانه “صندوق الأصول والممتلكات المصادرة أو المسترجعة”، في إطار قضايا مكافحة الفساد المستحدث لهذا الغرض.

القطب الاقتصادي والمالي.. الذراع الفولاذية لضرب الفساد
بموازاة الإرادة السياسية التي كانت السبب المباشر في فتح ملفات الفساد والزج برؤوس كبيرة وكثيرة في السجون، تبرز محكمة القطب الوطني الجزائي المختص في مكافحة الجريمة الاقتصادية والمالية، كذراع فولاذية لتجسيد إرادة الدولة وقوتها الحاسمة في الضرب على أيدي الفاسدين والمفسدين.
وفي مقدمة الأقطاب القضائية التي يتعين الإشادة بها هنا، القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بسيدي محمد، الذي يرجع إليه الفضل في الحسم في عشرات الفضائح والملفات الشائكة التي طالت كبار المسؤولين في الدولة، مثل رؤساء حكومات الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، في صورة كل من أحمد أويحيى وعبد المالك سلال ونور الدين بدوي، والعشرات من الوزراء ومسؤولي مؤسسات عمومية وخاصة.
وإلى جانب البت في ملفات الفساد الكبرى التي باشرتها الأجندة القضائية منذ سنة 2019، يقع على عاتق القطب المالي والاقتصادي، مهمات ثقيلة وصعبة، يشرف عليها رئيس القطب محمد كمال بن بوضياف ووكيل الجمهورية الرئيسي لذات القطب، إلى جانب قضاة الحكم للفروع الثلاثة ووكلاء الجمهورية المساعدون وقضاة التحقيق التابعون لنفس الجهة القضائية، الذين يقفون على قدم وساق للفصل في الملفات ولتنفيذ قرارات حجز الممتلكات الظاهرة والخفية للمتابعين في الفساد مع السهر على إحصائها وجردها، في خطوة استباقية لمواجهة التحايل على القضاء في استرجاع الأموال المنهوبة، مع السهر على تنفيذ أوامر الرئيس تبون المتعلقة بتوجيه الإنابات القضائية الدولية لحصر ممتلكات وعقارات وأرصدة المتورطين في الفساد ومن ثم استرجاعها.. وكل هذا تحت إشراف الرئيس والنائب العام لمجلس قضاء الجزائر، كمال غزالي وعثمان موسى .
وكان آخر أهم القضايا التي بت فيها القطب الاقتصادي والمالي، برئاسة رئيسها هو ملف الأمين العام السابق للاتحاد العام للعمال الجزائريين .
كما فصلت نفس الجهة القضائية منذ بداية السنة الجارية في عدة ملفات فساد ثقيلة، على شاكلة ملف “سوناطراك”، في نسختيه، الأول يتعلق بصفقة إنجاز مركب الغاز الطبيعي المسال بأرزيو بوهران، المعروف
بتسمية ” GNL3″، المتابع فيه وزير الطاقة الأسبق والفار من العدالة شكيب خليل، والثاني يخص فضيحة “مصفاة أوغيستا”، المتابع فيها الرئيس المدير العام السابق لسونطراك عبد المومن ولد قدور.
القطب الاقتصادي والمالي بفروعه، بت أيضا في ملفات فساد تتعلق بـ “التلاعب بقوت الجزائريين” وكذا مشاريع المياه، على غرار عمر بن عمر، “مجمع أمنهيد” AMANHID للإخوة شلغوم، والوكالة الوطنية للسدود ANBT، كما أصدر أحكاما قضائية في ملفات الإثراء غير المشروع وتحويل الأموال وتبيضها التي توبع فيها عدة وزراء وولاة الجمهورية ومسؤولين، على غرار الوزير السابق للعلاقات مع البرلمان الطاهر خاوة وجمال ولد عباس وقاضي عبد القادر، ومحمد لوكال، والمستشار السابق بالديوان الوطني للحبوب حساين عبد الرحمان.
وبالمقابل، تحقق غرف التحقيق السبع للقطب الاقتصادي والمالي مواصلة لمكافحة الفساد في ملفات جديدة تتعلق بالنقل البحري للمسافرين، الجوية الجزائرية، الرياضة، النشر والإشهار وغيرها من القطاعات.
وعلى مستوى محكمة سيدي أمحمد، أيضا فقد فصل القطب الجزائي المتخصص برئاسة القاضية وسيلة زويش منذ بداية السنة الجارية في عدة ملفات فساد معقدة وشائكة، استمر البت فيها إلى ساعات متأخرة من الليل، حيث تورط فيها ولاة الجمهورية ورجال الأعمال، إذ تم إدانة الوالي السابق لولاية بومرداس كمال عباس، بتاريخ 30 أكتوبر الماضي بـ 3 سنوات حبسا نافذا، مع غرامة مالية قدرها مليون دينار، فيما وقعت بتاريخ4 ديسمبر الجاري أقصى عقوبة في حق رجل الأعمال “س”، ومدير سابق لوكالة بنك الجزائر الخارجي ببئر مراد رايس ومحافظ عقاري، من خلال تسليط 10 سنوات في حقهم و4 سنوات في حق إخوة رجل الأعمال “س” مع مصادرة جميع الأملاك والعقارات والأرصدة البنكية.

العدالة بخطى متسارعة لتنفيذ قرارات المصادرة
مجلس قضاء الجزائر، بدوره وبخطى متسارعة فصل في 15 ملف فساد، وهي الملفات التي تم الاستئناف فيها من طرف المتهمين من فئة الوزراء وولاة الجمهورية ومسؤولين ورجال أعمال وكذا نيابة القطب المالي والاقتصادي، وصدرت فيها أحكام سواء من طرف الغرفة الجزائية السادسة برئاسة القاضية جميلة مومن، أم من طرف الغرفة الجزائية العاشرة برئاسة القاضية دحماني.
ومن جهتها، فإن المحكمة العليا فصلت في معظم ملفات الفساد التي تم فتحها في 2019 من خلال رفض الطعون المقدمة سواء من طرف المتهمين أم النيابة أم الأطراف المدنية، وأيدت الأحكام الصادرة عن القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بسيدي أمحمد، ومجلس قضاء الجزائر، أو مجلس قضاء تيبازة وبومرداس، لتصبح الأحكام الصادرة في هذه المحاكمات التاريخية نهائية، ما سمح للجهات القضائية بتنفيذ الحجوز على الممتلكات العقارية والمنقولة والأموال التابعة للأشخاص الطبيعيين المتابعين أو المدانين قضائيا.

مقالات ذات صلة