الشروق العربي
"المهر" الذي عنس جيلا كاملا ..

شباب في طوابيرالعنوسة يرفضون الزواج بسبب مغالاة المهور

الشروق أونلاين
  • 15922
  • 28

شاع في مجتمعنا عنوسة النساء،لكن ما خرج عن المألوف وقلب الموازين رأسا على عقب عنوسة الرجال،الذين اختاروا هذه الأخيرةلإكمال نصف دينهم بسبب حواجز وعوائق وقفت في طريقهم فرضتها العادات والتقاليد والواقع المعاش،تكون فيها العروس وأهلها في هيئة الجلاد، يملون شروطا تعجيزية من مسكن مؤثث وسيارة فخمة وطاقم مرصع بالذهب، وحتى المغالاة في مهر العروس..هي شروط تنفر الراغب في الزواج وتجعله في الأخير عازفا ومضربا عنه إلىأجل غير مسمى.

تداعيات فارس الأحلام في عصر مهند

هي إحدى المظاهر التي فرضتها الحياة العصرية وابتدعتها تحت غطاء العادات والتقاليد جعلت من الزواج مرادا بعيد المنال،ما حتم على شبابنا اليوم التخلي مجبرين عن حقهم في بناء أسرة وتتمة نصف دينهم،خاصة مع متطلبات وشروط أهل العروس،وما زاد الطين بلّة هو ركض الفتيات وراء أحلامهن في انتظار فارس يأتي فوق حصان أبيض يطير بهن إلى قصره وفي يده عصا سحرية، محققا لهن كل رغباتهن،دون نسيان موجة الأفلام التركية وما خلفتها من خرق لثقافتنا وتهديد لمبادئنا، والتي أصبحت منهاجا تمشي عليه كل فتاة لمحاكاة حياتهم وإسقاطها في مجتمعهن، وفي هذا يقول عمر 37 سنة والذي التقينا به جالسا أمامباب أحد المساجد بحسين داي،أن الفتيات أصبحن ماديات،أكثرهن حالمات مبالغات تسعين لفرض شروط،يصعبن من خلالها على الرجل القيام بالخطوة الأولى للدخول في القفص الذهبي، ويعود خطوة أخرىإلى الوراء، وذلك بالنفور من الزواج.

فأحلام اليقظة التي لا تنتهي بالزواج من أمير يشبه مهند، يملك سيارة فاخرة وحسابا بالبنك ومنزلا خاصا مؤثثابأحدث ما وصل إليه عالم الديكور، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى دخول ابن الحلال طالبا يد الفتاة ليجد الأبواب موصدة في وجهه عند سماعه لتلك الشروط التي لا تمت للواقع بصلة، وهناتقول سامية 42 سنة التي التقيناها ونحن في طريقنا إلى “رويسو” بصفتها أختا ذهبت لخطبة فتاة لشقيقها،أنها تفاجأت عند سماعها للرقم الخيالي الذي تطلبه الفتاة كمهر لهاإضافةإلى طاقم ذهب أثقل كاهلهم، وحتى توفير عجلين عوض كبشين اللذين لا يستطيع أخاها حتى توفيرهما مع أنه طبيب.

فالفتاة إذا تستعمل سلاحا فتاكا في وجه كل من أرادأو يريد خوض معركة الزواج، وصاحب الملايين حتى لا نقول الملايير هو الذي ينجو منها ويلقى الفقير مصرعه فيها، لكن مع هذا قد تكون الفتاة ضحية لطموحات وأطماعأهلها.

الفتاة المتعلمة متطلبة أكثر من غيرها

ومايزال الشباب يصطفون خلف طابور العزوبية، منتظرين التربص بفتاة ترأف بحالهم المتعسر،لكن البحث في تواصل دائم لدى البعض، مادام الحال على حاله،خاصة مع تطور الحياة وتمسك الفتاة بإكمال دراساتها العليا أكثر من الرجل وترك الزواج للأخير، وحتى يحين الوقت لذلك، لا ترضى بشريك أقل شأنا منها، وهذا ما يخيف شبابنا اليوم من خطبتها،لأنهم يجدون مثل هؤلاء الفتيات متطلبات، وهذا ما يراه علي 36 سنة والذي صادفناه أمام حديقة التجارب برويسو، حيث يقول “بعض الفتيات يذهبن إلى حد اعتزال الحياة الزوجية بدلا من قبول شخصأقل منهن مستوى، وعلى سبيل المثال أذكر ابنة عمتي التي تجاوزت 40 سنة ولم تتزوج بعد،فدخلت مرحلة العنوسة بسبب رفضها لمدرس،عون أمن، سائق سيارة طاكسي، موظف في بلدية،والقائمة طويلة حتى لم يعد أحد يتجرأ على خطبتها.

وكثيرا ما يكون الآباء متواطئين في زواج بناتهم، حيث يصبح زواجهن بمثابة بيع وشراء فيفضلون أن يكون زوج ابنتهم ميسور الحال، خوفا من الطمع في مرتبها ولضمان حياة رغيدة لها، وهذا حال سليمة من بومرداس التي تغيرت ملامح وجهها وهي تحكي لنا معاناتها مع الزواج،حيث أنهاأحبت مدرسا بسيطا في الإبتدائي، ولما تقدم لخطبتها عارض والدها ذلك بشدة،ووضع له شروطا تعجيزية للحيلولة دون مصاهرته وإبعاده عن ابنته، وما كان عليها إلا الرضوخ لولي أمرها.

وفي ذات السياق، أكد لنا مجيد 30 سنة والذي التقيناه ونحن في طريق عودتنا إلى حسين داي، حيث يقول “على عكس المدن الكبرى،نجد الفتاة ليس لها حتى أدنى رأي فيما يخص القبول أو الرفض في المدن الصغرى والقرى وما جاورها،فأنا شخصيا لي أخت ولما دق القدر بابها وأتى نصيبها،اشترط أبي 300 ألف دينار كمهر لها، وتم الزواج دون أخذ مشورتها”.

لكن هذا لا يعني أن نلصق التهمة في المرأة فقط وأن تكون هي السبب الرئيسي في عزوف الرجال عن الزواج،فقد لا يكونون هم أيضا قادرين على تحمل مسؤولية الزواج التي تحد من حريتهم على حد تعبير البعض.

اختيار العزوبية خوفا من الارتباط الأسري

إذاارتفاع تكاليف الزفاف الذي يستلزم إرضاء العروس وأهلها بتوفير المهر والمسكن والملبس وقاعة حفلات وسيارة وغيرها من الأمور غير المقدور عليها من طرف الشباب المجازفين للزواج، ليس وحده سببا يؤدي بهمإلى تقبل العنوسة، بل قد يكون لهم الخيار في ذلك،لأنهم حسب الإمكانياتالمادية التي لديهم باعتبارهم من أسر غنية لهم الأولوية بالمبادرة في الزواج، لكننا نرى عكس ذلك،و في هذا يقول ياسين35 سنة والذي التقيناهبمحطة الخروبة متهكما، وهو رافض لفكرة الزواج تماما “رغم أنيصاحب مقهى ميسور الحال،لكن مازال الوقت مبكرا على الإقبال على خطوة الزواج، فهذهالأخيرةمشاكل وهموم ومسؤولية”.

أما آخرون، فينهمكون في العمل وتأخذهم مشاغل الحياة، فلا يشعرون بمضي الوقت وتقدمهم في السن أو العمر حتى يجدوا أقرانهم متزوجين يداعبون أولادهم، وخير مثال على ذلك محمد الذي تعدى العقد الرابع من العمر، حيث يقول “العمل يأخذ كل وقتي ولا أتذكرأني دخلت في علاقة عاطفية أوأحببت فتاة أو فكرت في امرأة كزوجة لي،رغم أنأمي وأهلي كانوا دائمي الإلحاحعلي للزواج قبل فوات الأوان”.

في حين يذهب البعض الآخرإلى القول أنهم لا يستطيعون الالتزام العاطفي و الأسري،بل قد يخافون منه وحجتهم في ذلك أنه يضع حدا لحريتهم..إلى ذلك يقول سمير 37 سنة أنه يخصص النهار لقضاء أعماله ومصالحه،أما الليل فيعمل على استغلاله للالتقاء مع الأصدقاء،وتبادل أطراف الحديث، بينما هم يلعبون لعبة الدومينو مع احتساء القهوة وحتى مشاهدة مباريات كرة القدم في المقاهي،أو اختيار التجوال بالسيارة مع الاستماع لنغمات الموسيقى، كما أكدأنهم لا يشعرون بمضي الساعات حتى يجدوا أنفسهم يعودون أدراجهمإلى بيوتهم لأخذ قسط من الراحة والخلود الى النوم، وهكذا دواليك تمضي باقي الأيام، ويضيف سمير قائلا”لسنا بحاجة للزواج أوإلى امرأة تجادلنا في كل صغيرة وكبيرة وتنغص علينا حياتنا”.

كما قد تسلك الأمور منعرجاآخر،فإضراب الشباب عن إكمال نصف دينهم مقابل الانفتاح الثقافي على المبادئ والقيم الغربية الخاطئة، وانتشار القنوات الفضائية الخليعة يجعلهم يقبلون على الرذائل والمحرمات، كاتخاذ عشيقات واللهو مع بنات الليل وارتياد الملاهي الليلية ومعاقرة الخمور وما شابهها من أمور مذهبة للعقل،و بذلك الابتعاد شيئا فشيئا عن الدين والأخلاق النبيلة.

مقالات ذات صلة