الجزائر
عودة مخيفة لظاهرة "الحرقة" ومختصون يدقون ناقوس الخطر

شبكات تتاجر بأحلام الشباب

نادية سليماني
  • 2181
  • 0
أرشيف

طغت ظاهرة الحراقة هذه الأيام على أحاديث الجزائريين، وتحولت إلى قضية رأي عام محلية ودولية، بعد تزايد أعداد المهاجرين لمستويات قياسية لم يسبق لها مثيل، وباتت الصور الدرامية للجثث المترامية في حوض المتوسط تصدم العالم، وفي ظل هذا الوضع المأساوي تتاجر شبكات منظمة في أحلام الشباب بتنظيم رحلات سرية بمبالغ خيالية تراوحت بين 80 و90 مليونا، وكلما أحبط حرس السواحل، رحلة سرية من شاطئ معين، يهرب أكثر من قارب من شواطئ أخرى، والظاهرة تطرح أكثر من سؤال..!!

بلمداح: تخفيض عدد التأشيرات نحو فرنسا سيزيد من الهجرة غير الشرعية

باتت عصابات منظمة تستغل الهجرة السرية لربح أموال طائلة، فبعدما كانت حكرا على أفراد معينين، أضحت اليوم عصابات المتاجرة في البشر، تسهل الحرقة على الباحثين عليها، مقابل مبالغ خيالية.
وفي هذا الصّدد، ألقت مصالح الأمن القبض على “شبكة إجرامية” في ولاية وهران، متخصصة في صناعة قوارب الهجرة غير الشرعية “البوطيات”.

عبيدات: عصابات تسير رحلات هجرة VIP مقابل 90 مليونا

فيما أكدت وزارة الدفاع، عبر بياناتها، خلال هذه الفترة، عن إحباط محاولات هجرة غير شرعية لـ 317 شخص، كانوا ينوون المغادرة من شواطئ الشلف والطارف ووهران وتلمسان ومستغانم.
ويُؤكد ملاحظون، أن “الحرقة” ارتفعت بشكل غير مسبوق خلال سنة 2021، بعدما كادت تنعدم في بداية انتشار جائحة كورونا، حيث أرجعه البعض السبب الى تدهور مستوى المعيشة على غرار جميع الدول بسبب تبعات الكوفيد 19، واستئناف الدول الأوروبية لنشاطاتها بعد الغلق الصحي.

أرقام مقلقة

كشف تقرير حديث لوكالة مراقبة الحدود الأوروبية “فرونتكس”، أن 67 بالمائة من الحراقة الواصلين إلى إسبانيا حتى نهاية جويلية، هم من جنسية جزائرية. وحسبما كشفته السلطات الإسبانية، فخلال السنة الجارية، وصل نحو 4717 حراق جزائري إلى شواطئها، بينهم نساء وأطفال. وبذلك يشكلون ثلثي “الحراقة” الواصلين إلى سواحل إسبانيا، خلال هذه الفترة، من إجمالي 7040 حراق من مختلف الجنسيات.
كما كشف المركز الدولي لتحديد هوية المهاجرين المفقودين، عن وصول 1000 “حراق” جزائري إلى إسبانيا خلال 72 ساعة فقط!! مع اعتراض أزيد من 90 زورقا يحمل مهاجرين غير شرعيين، بينما هرب المئات من حرس السواحل.
وكشفت تقارير أمنية اسبانيّة، أن شبكات محلية تتعاون مع جزائريين، لتهريب الحراقة إلى إسبانيا عبر “قوارب الموت”، حقّقت نحو 2.5 مليون أورو (40 مليار سنتيم) جرّاء هذا النشاط الإجرامي.

بلمداح: القرار الفرنسي بتقليص التأشيرات سيدفع الكثيرين إلى اختيار الحرقة
وفي الموضوع، أكد النائب عن الجالية الجزائرية بالمنطقة الرابعة أمريكا وروسيا وتركيا وأوروبا عدا فرنسا، نور الدين بلمداح، في اتصال مع “الشروق”، بأن ظاهرة الهجرة السرية نحو أوروبا، ارتفعت لأعداد لا بأس بها مؤخرا، “حيث شاهدنا عائلات بأكملها وشبابا وأطفالا.. يختارون التوجه إلى الضفة الأخرى عبر قوارب الموت”، وحمّل، أسباب تفاقم الظاهرة، إلى ظهور عصابات تتاجر في مآسي البشر، على حد قوله.
وتأسف محدثنا، لقرار السلطات الفرنسية الصادر نهاية الأسبوع، والمتعلق بتقليص التأشيرات الممنوحة للجزائريين، مُتوقعا ارتفاع حالات “الحرقة” بسبب هذا القرار.
وقال: “كثير من مواطنينا كانوا ينتظرون الحصول على تأشيرتهم للمغادرة نحو فرنسا بطريقة منظمة، أما الآن.. وكل من خاب أمله بعد القرار الأخير، سيفكر في الهجرة غير الشرعية والمجازفة لبلوغ هدفه، ولو على حساب أرواحهم”.
فالقرار الفرنسي، حسبه، لن يخدم الدول الأوروبية، بل “سيُفاقم ظاهرة الهجرة غير النظامية، والتي يجتهد الغرب لإيجاد حلول لها”.
ويؤكد بلمداح، بأن السلطات الجزائرية “تقوم بكل جهودها للقضاء على هذه الظاهرة، حيث استنفرت أفراد الجيش الوطني الشعبي لحماية حدودنا البحرية، وأوقفت المهربين المتاجرين في البشر”.

عبيدات: رصدنا حالات لرمي شباب في عرض البحر من طرف المهربين..

من جهته، دق مستشار الوقاية الجوارية، ورئيس المنظمة الوطنية لرعاية الشباب، عبد الكريم عبيدات، ناقوس الخطر من تبعات ظاهرة “الحرقة” المتفاقمة مؤخرا، واصفا الظاهرة بـ “الآفة التي أصبحت تستهدف جميع فئات المجتمع، ذكورا وإناثا، ومن مختلف الأعمار”.
وأكّد المتحدث عبر “الشروق “، بأنّه حتى تكاليف “الحرقة” ارتفعت، فبعدما كانت تتراوح بين 60 الى 70 مليون سنتيم، قفزت مؤخرا، وحسب اعترافات “حراقة” ما بين 80 و90 مليون سنتيم.
والمبلغ الكبير، جعله يتساءل عن مصدره، بالنسبة لشاب يُبرر الحرقة، بـ “بصعوبة ظروفه المعيشية”؟. وحسب دراسات وتحرّيات لجمعية رعاية الشباب، فان الأمهات يلعبن دورا سلبيا، بل ويشجعن “هروب أولادهن”. وقال “اكتشفنا أن كثيرا من الأمهات، هن من يوفرن الأعباء المالية للحرقة لأولادهن، فمنهن من تبيع ذهبها، وأخرى تتدين.. ومبررهن أن الشباب سيتوجهون لتحسين ظروف حياتهم!!”.
وبحسبه، فإن معظم “الحراقة” وعند انطلاقهم في القارب أو وصولهم للضفة الأخرى، يتصلون مباشرة بالأم وليس الأب، في دليل على تشجيع الأمهات للظاهرة، وجهل من الآباء.
وأكّد عبيدات بأن 1 بالمائة فقط من “الحرّاقة”، يلقون حتفهم في عرض البحر، أما البقية فتستضيفهم المراكز الأوروبية.
وكشف حقائق خطيرة، عن ما يُواجهه شبابنا في قوارب الموت، فقال “البُوطي.. يتسع مثلا لـ 6 أشخاص، لكن المهرب يحمل ضعف الرّقم، زيادة على دلاء المازوت.. وفي عرض البحر وعندما يتثاقل القارب بسبب الحمولة الزائدة، يتم التضحية بأضعف الأشخاص في القارب، حيث يتم تسليمهم سترة النجاة، ورميهم في عرض البحر.. ولك أن تتخيّل هذا الموقف المرعب!! فقوارب الموت يحكمها قانون الغاب عندنا تكون في وسط الأمواج المتلاطمة”.
وعدد محدثنا أسباب تفاقم ظاهرة “الحرقة” سنة بعد أخرى، فقال بأن استقالة الأولياء من مهمتهما في الحياة، تاركين مهمة “التربية” للمدرسة أو للشارع، إضافة لانقطاع الشخص عن النظام الاجتماعي، واختياره سبيلا يخالف قواعد مجتمعه، وأيضا تفاقم ظاهرة التسرب المدرسي، أين يطرد كل سنة 500 الف تلميذ، وغياب توجيههم، “ففي المدرسة يخبرونه بأنه سنه أكبر من أقرانه وعليه المغادرة، وفي حال توجه للتكوين المهني يُخبر بأن سنه أقل من المطلوب، وعليه الإنتظار حتى 17 سنة.. فما هو مصيره، في وسط هذه الدوامة؟؟. وهذه الظروف تجعله مُهمشا اجتماعيا، يلجأ لمخالطة رفاق السوء، ويصبح فريسة سهلة لعصابات الإجرام والمخدرات.

الدولة رصدت أموالا ضخمة لإعانة الشباب.. آخرها منحة البطالة

والغريب، حسب محدثنا، أن حراقا يدفع مبلغ 90 مليون لإلقاء نفسه في عرض البحر “أكيد ليس بالشخص السوي..!! فبهذا المبلغ يمكنه القيام بمشروع تجاري، وكثير غيره لا يملكون حتى ربع هذا المبلغ، ويعيشون بسلام نفسي في بلادهم”، على حد قوله.
وحسب دراسة للجمعية، تعتبر إسبانيا وجهة مفضلة للحراقة الجزائريين، لكن الكثير من المهاجرين غير الشرعيين يفضلون الانتقال إلى بلدان أخرى، كفرنسا بنسبة 40.4 بالمائة، تليها انجلترا بـ 17.3 بالمائة، ثم إيطاليا بـ 11.6 بالمائة، ثم فرنسا بنسبة 10.5 بالمائة، وأخيرا كندا بنسبة 4.1 بالمائة.
وفسّر محدثنا هذه الإحصائيات، بأن الحرّاقة الجزائريون لا يُحبّذون التوجه نحو كندا بسبب بردها القارس، وفرنسا بسبب إجراءاتها المشددة ولجوئها للترحيل. أما ميزة اسبانيا وانجلترا، فهما لا يرحلان “الحراقة”، حيث بإمكانك العيش بسلام، في حال لم تتورط في مشاكل سياسية. كما أن دولة مثل إسبانيا، ومع ارتفاع نسبة الشيخوخة بها، فهي بحاجة لليد العاملة، في حقول البرتقال والزيتون..
وقال عبيدات بأن الجزائر رافقت شبابها، عبر كثير من الإجراءات الموجهة إليهم، ومنها إنشاء وكالات “أونساج، آنام.. ووفّرت كثيرا من الاختصاصات المهنية في مراكز تكوينها، وبالمجان، والتي تجد أقسامها شبه فارغة.. كما أقرت مؤخرا منحة للبطالة.. كما أنه بإمكان الشاب الحصول على دبلوم معين، ثم السفر بطريقة منظمة للبلد الذي يريد… في وقت ينجح الرعايا القادمون من الهند والصين ومصر وسوريا وإفريقيا في بلادنا”.

ندوة وطنية مستعجلة لعلاج الظاهرة

وقال عبيدات إن خطورة الظاهرة، تلزمنا بتنظيم ندوة وطنية مستعجلة، لمناقشة جميع أفات المجتمع، وإيجاد الحلول، في ظل وجود 100 تنظيم جمعوي، مع إدراج حصص توعوية يومية، بالقنوات التلفزيونية والإذاعات، وعدم جعلها “مناسباتية”.
وكشف محدثنا أن كثيرا من “الحراقة” يستهلكون المخدرات قبل إقلاعهم، للحصول على جرعة طاقة وإرادة، لمواجهة رُعب البحر. فيما يبقى مصيرهم غامضا وأسود في البلدان الأوروبية. فغالبية الفتيات ينخرطن في منظمات “الدعارة”، أما الشباب فيتم استغلالهم من طرف العصابات وبعض الجهات المعادية للبلاد، وهذا بعد تشردهم في الشوارع ونومهم على الكرطون، وتأمين أكلهم من القمامة.

الرفاهية الزائفة في الغرب باتت تغري شبابنا

وبدوره، اعتبر أستاذ علم الاجتماع، آيت عيسي حسين، لـ “الشروق”، بأن الحرقة هي ظاهرة اجتماعية كلية، مرتبطة بعوامل اقتصادية وسياسية وثقافية جد متداخلة. كما أنها ذات أهمية وخطورة بالغة، خاصة من حيث طبيعة دلالاتها وخطورة انعكاساتها.
وقال، بأن الظاهرة “تعرف منحا تصاعديا، ووتيرة جد متسارعة. وأصبحت تستهوي فئات اجتماعية وشرائح عمرية جديدة غير متوقعة، مثل كبار السن والأطفال الصغار والنساء والأسر بأكملها “.
وهذا الإقبال المتزايد، حسبه، بالرغم من ارتفاع نسبة محاولات الهجرة الفاشلة، وتعرض كثير من “الحراقة” للغرق والموت، وهي موثقة بالصوت والصورة. هو من منظور سوسيولوجي “نتاج حالة من الشعور بالغربة والتهميش والإقصاء والقلق حيال المستقبل الاجتماعي لدى الشباب بوجه خاص، دون أن نهمل تأثير الدوافع الثقافية، التي ترتبط بصورة الحياة في المجتمعات الغربية لدى الشباب، والمتعلقة خصوصا بمناخ الحرية وحقوق الإنسان والرفاهية “.
وقال ايت عيسي “إن الحرقة، عبر قوارب هشة وغير مجهزة من الناحية الأمنية، هي مخاطرة ومجازفة حقيقية، لكن يبدو أن عين الحراق لا ترى سوى الفئة الناجية، ولا تأخذ في الحسبان إلا احتمالات النجاة، وفي هذا دلالة عميقة على حجم اليأس، الساكن في نفوسها، فتحول القارب إلى رمز للحياة وليس الموت”.
وأضاف أن الحرقة “ليست فعلا فرديا معزولا، بل هو فعل جماعي، لأن انطلاق الفكرة إلى اتخاذ القرار والتخطيط والتنفيذ، يتم عادة في إطار جماعات الأصدقاء والرفاق وأبناء الحي”.

أحمد وادي: كثير من الطلبة يحلمون بالهجرة..

ومن جهته، يرى الأمين العام للإتحاد الوطني للدكاترة والباحثين الجزائريين، أحمد وادي عبر “الشروق”، بأن الحديث حول الهجرة سواء نظامية أو غير شرعية، يتزايد في الآونة الأخيرة، حيث يحاول بعض الشباب الهروب من “واقع لا يعكس آماله وطموحاته”.
وتفسير الظاهرة، حسب رأيه، أن بعض الشباب يحاول الظفر بفرصة لإكمال الدراسة ومن ثم العيش في الخارج، وغالبا ما تكون وجهتهم فرنسا وكندا، نظرا للتسهيلات التي تضعها للطلبة الأجانب لإكمال الدراسة. وقال “أصبحنا نشاهد وعلى مدار السنة، تلك الطوابير للطلبة الجزائريين أمام المراكز الثقافية الفرنسية، من أجل الخضوع لاختبار اللغة، استعدادا للذهاب بلا عودة”.
والمؤسف، حسبه، فالمتتبع للفضاء الافتراضي، يلاحظ تزايد أعداد تلك المجموعات التي تهتم بمواضيع الهجرة وتبادل الخبرات “وهذا شيء مؤسف حقا، لأن أعداد رهيبة من طلبتنا يحلمون بالهجرة”.
ويرى وادي، بأن العدد الكبير من خريجي الجامعات، لا يعكس تماما متطلبات سوق الشغل، الذي ” لا يزال ضعيفا وغير مضبوط بقوانين تؤطره وتنظمه. بحيث يعد هذا السبب الرئيسي لهجرة الكثير من خريجي الجامعات..فالطالب يقضي سنوات من الاجتهاد في اختصاص معين، ليجد نفسه بدون وظيفة، وإن وجد فلا تناسب إطلاقا الاختصاص الذي درسه”..
وأردف بأن الإحصائيات المتداولة حديثا، والتي تخص أصحاب أعلى شهادة في الجزائر، ألا وهي الدكتوراه، تم الإعلان فيها عن وجود نحو 22000 دكتور بطال في الجزائر، لم يجدوا وظيفة تناسب مستواهم وشهادتهم على الأقل “وهو ما يعكس حقا أزمة توظيف خانقة لمئات الآلاف من خريجي الجامعات” على حدّ قوله.
وقال بأن كثيرا من الدكاترة المتخرجين “تجدهم يتوسلون الساعات الإضافية في الجامعات على الأغلب بدون مقابل، وبعضهم تجده يبحث عن عمل ليس له علاقة بتخصصه، مقابل أجر زهيد.. كل هذا يدفع هؤلاء حتما، للبحث عن سبل الهجرة نحو الخارج، ولو تطلب الأمر المغامرة عبر قوارب الموت”.
وأكد محدثنا، بأن منظمتهم تحصي العديد من الزملاء الأكفاء، والذين اختاروا الهجرة، فمنهم من هجر بصفة قانونية ومنهم “حراق”، ومنهم من تخلى عن تكوين الدكتوراه في جامعته، وآخرون استغلوا تكوينهم الإقامي في الخارج وبقوا هناك.
وهذا الأمر، لم يعد مقتصرا حتى على الطلبة والدكاترة البطالين، وكشف قائلا “أعرفُ أساتذة جامعيين اختاروا طريق الهجرة من الوطن، لعدم تحملهم ظروف العمل الصعبة. وحتى أنا أفكر في الهجرة، لأنني بعد سنوات من الدراسة والاجتهاد، تجد نفسك دكتورا بطّالا بدون عمل ومُهمشا من كل الجوانب”.
وختم، بأنهم ينتظرون وعد رئيس الجمهورية لهم بلقائهم “مع فتح ورشات كبرى في كل القطاعات، لغرض القيام بإصلاحات شاملة، يشارك فيها كل الطاقات والكفاءات في الوطن، من أجل الدفع بالعجلة إلى الأمام “، على حد قوله.

مقالات ذات صلة