بعد بلطجية مصر وبلاطجة اليمن ومرتزقة ليبيا وجنجويد السودان وزعران الأردن
“شبيحة” سوريا.. أشباح بشرية لا تتحرك إلا في الظلام
البلطجية في مصر والبلاطجة في اليمن والمرتزقة في ليبيا وقبلهم جميعا الجنجويد في دارفور بالسودان وأخيرا شبيحة سوريا والزعران في الأردن، هي أسماء شعبوية ولدت من رحم الثورات والأزمات والحروب الداخلية العربية لتصبح مفهوما “معوربا” أو”معولما” متداولا لدى مختلف وسائل الإعلام العربية والعالمية بل أصبح مستعملا حتى لدى شعوب عربية لم تعرف هذه المصطلحات على غرار كلمة “البلطجية”، وإن اختلفت معانيها وأصولها من بلد إلى آخر، إلا أنها اتفقت على أنهم عصابات غير نظامية تستعمل العنف والقتل والترهيب ضد المدنيين، وحسب المفكر العربي صالح عوض فإن الحكام العرب “سلطوا على الثورات العربية أسوأ من في الشعوب”.
-
جيوش بديلة من المنحرفين لقمع الشعوب والدفاع عن الطغيان
-
شبيحة سوريا
-
يستخدم أهل المنطقة الساحلية في سوريا صيغة مبالغة اسم الفاعل على وزن (فَعّيل) بدلا من (فَعّال) ويقصد بها صيغة مبالغة للمبالغة، ونقول شبيح وجمعها شبيحة للإشارة إلى الشبح الخارق فوق ما يمكن تخيله، لأنه يستطيع القيام بكل أنواع الجريمة تحت نظر وسمع السلطات الرسمية ولكنها لا تراه! وهناك رأي آخر يقول إن التسمية تعود إلى سيارات مرسيدس التى تلقب بالشبح.
-
وبدأ ظهور الشبيحة عام 1975 بعد دخول القوات السورية إلى لبنان، على يد مالك الأسد وهوابن الشقيق الأكبر للرئيس حافظ الأسد، ثم نمت الظاهرة من مجرد أفراد مهربين إلى عصابات مسلحة، يتم اختيار أفرادها بعناية فائقة من أشخاص لهم عقل صغير وثقافة معدومة وبنية قوية وجسم رياضي كبير الحجم وتدريب قتالي عال وولاء مطلق إلى درجة الموت في سبيل قائد أوزعيم العصابة وغالبا ما يستخدم الأفراد كلمة ( المعلم ) للإشارة إلى زعيم العصابة، وتنوع التهريب ليشمل الدخان والمخدرات والخمور والأسلحة والسيارات المهربة والمسروقة وكل ما يمكن بيعه في سورية وامتد التهريب بين سوريا وقبرص ولبنان وتركيا، واتخذوا موانئ طبيعية على الساحل لتكون مراكز التحميل والتفريغ وإعادة التصدير وأحيانا يستخدمون الموانئ الرسمية ويتم بقطع الكهرباء لمدة كافية بالتفريغ أو التحميل
-
وهذه الكلمة لها من الدلالة أكثر من غيرها من الكلمات المعروفة مثل بلطجية، فالشبيحة كلمة تتجاوز حدود الخيال إلا من شاهدهم وهم يعيثون فسادا في معظم أرجاء سوريا وخاصة في اللاذقية وأدلب وحلب.
-
وخلال فترة الاحتجاجات اتهم الشبيحة بإطلاق النار على المتظاهرين بشكل عشوائي من على أسطح الأبنية ومن سيارات مسرعة، مما أدى إلى مقتل 16شخصا وجرح العشرات في اللاذقية. واتهمت أيضا بالوقوف وراء أعمال عنف في بانياس.
-
زعران الأردن
-
ويسمون أيضا الديونجية وعرف الزعران قديما على أنهم قطاع طرق يرتكبون الجرائم المختلفة، ويعادون المجتمع، واشتهرت أسماء كبيرة من الزعران كان ذكرهم يرهب الكبار والصغار! على حد قول الكاتب أحمد الربابعة، فعندما يذكر اسم (أبوشاكوش) أو (أبومسمار) أو (أبوعنتر)، فالكل يجب عليه أخذ الحيطة والحذر من هؤلاء الأشرار؛ إذ يعرف الرجل الأول بأنه مجهول يحمل معه شاكوشا كبيرا، يعمد فيه على الاعتداء على المواطنين وسلبهم وإيذائهم. بينما يعرف الرجل الثاني بأنه مجهول أيضا يحمل معه مسمارا ضخما، يعمد به إلى ما يعمد إليه (أبوشاكوش). في حين يعرف الرجل الثالث بأنه مثال للشخصية المجرمة التي لا تستطيع البقاء خارج السجن أودون ارتكاب جرم.
-
وينتشر اسم الزعران في عدة بلدان عربية منها لبنان، لكنه عرف في الأردن بشكل كبير خاصة بعد أحداث دوار الداخلية، حيث ظهرت صور الزعران عبر الصور والفيديوهات، وانتشر الزعران في مختلف محافظات الأردن بعدما كان مقتصرا من قبل على أسماء بعينها وفي المناطق الشعبية، وأصبح مرتبطا أكثر بأعداد أكبر قامت بمهاجمة مظاهرات المعارضة وحتى الاعتداء على مثقفين أردنيين، واتهمت جهات أمنية بأنها تقف وراء هؤلاء الزعران بل وتستعملهم في قمع المظاهرات.
-
-
بلاطجة اليمن
-
برز مصطلح “البلاطجة” حسب جريدة الخليج الإماراتية كاختصار لعصابات مسلحة ترتدي زياً مدنياً وتمارس العنف بشكل مفرط كوسيلة لقمع المتظاهرين والمعتصمين المطالبين بإسقاط النظام، وتحولوا إلى جزء من مشهد التصعيد القائم في اليمن، لكن جرائمهم عادة ما تقيد ضد مجهول، وإن كانوا ينسبون إلى الحزب الحاكم كإحدى أدوات التصدي للفعاليات الشعبية الاحتجاجية المطالبة بإسقاط النظام ورحيل الرئيس علي عبدالله صالح.
-
بلطجية مصر
-
كلمة “بَـلْطـَة” تعني آلة تقطيع خشب قديمة استخدمها الحطابون في تقطيع الشجر والخشب، وهي من مجموعة “الفأس” الذي يستخدمه المزارعون في تقليب الأرض الزراعية، والفرق بينها وبين الفأس هو في وضع الحدّ القاطع، ففي الفأس يكون الحدّ أفقيّا على الذراع (اليد الخشبية) أمّا في البلطة فيكون الحدّ رأسيا على الذراع، ومن هنا تصف بعض المعاجم العربية البلطة بأنّها “فأس لتقطيع الخشب”
-
ثمّ استخدم البعض هذه الأداة في الحرب وقتل الناس بها، وعندئذ وصف الأتراك من يستخدم البلطة في العراك أو في الحرب بأنّه “بلطجي” والمقطع “جي” هومقطع يفيد الصفة في اللغة التركية، والبلطة استخدمت كسلاح في الحروب منذ قديم الزمان في العصور الوسطى وكانت تستخدم بواسطة “المشاة” قبل اختراع البنادق والمدافع الخفيفة، وكان اسم الجندي الذي يحارب بالبلطة “بلطجي” وكان السلاح يسمّى “سلاح البلطجية” والذي تحوّل فيما بعد إلى فرع من “سلاح المشاة”.
-
ومن النوادر المضحكة أنّ الخليفة التركي أطلق على محمّد علي باشا لقب “بلطجي” بعد أن استقلّ بحكم مصر وفصلها عن الدولة التركية، وكانت هذه التسمية إهانة لمحمّد علي باشا حيث اعتبره الخليفة التركي مجرما انفصل بمصر عن دولة الخلافة، ومازالت كتب التاريخ في تركيا تذكر محمّد على باشا بأنّه “البلطجي” الذي تمرّد على الخلافة واستقلّ بحكم مصر.
-
ومن هنا بدأ أول استخدام لكلمة بلطجي بمعنى “مجرم” وليس بمعنى “محارب بالبلطة”. وبعد ذلك استخدم المصطلح في مصر لوصف أي مجرم يستخدم أي سلاح غير ناري بهدف السرقة بالإكراه أوالتعدي على الآخرين وفي أيامنا هذه أصبح الوصف شاملا لكلّ أنواع المجرمين الذين يستخدمون القوّة أوالعنف في تحقيق أهدافهم، ووصف الفعل نفسه بأنّه “بلطجة”.
-
مرتزقة ليبيا
-
المرتزقة وإن كان مصطلحا “عالميا” معروفا بل صدرت قوانين تمنع الاستعانة بالمرتزقة في الحروب الداخلية أو نقلهم لمناطق النزاعات، إلا أن هذا المصطلح أصبح مرتبطا أكثر بالعقيد القذافي وأبنائه بل صار إيقونة الثورة الليبية، فالعقيد معمر القذافي الذي يصف نفسه بأنه عميد الحكام العرب وملك ملوك إفريقيا بل وزعيم عالمي وجد أن عدد سكان بلاده (5.5 مليون نسمة) لا يتوافق مع حجم طموحاته العالمية فلجأ إلى تجنيد المرتزقة خاصة في حربه ضد تشاد في الثمانينيات، كما أن تعرضه إلى 15 محاولة اغتيال على يد ضباط من الجيش الليبي جعله يعتمد أكثر على المرتزقة إلى جانب كتائبه الأمنية على حساب الجيش الليبي، وخلال الثورة الليبية استعان القذافي بشكل كبير بمرتزقة من تشاد وقبائل الطوارق في مالي والنيجر.