“شجاعة” ترامب!
لم تمرّ الضربة الجوية الأمريكية، في عمق سوريا، من دون أن تثير زوبعة من التعاليق، ما بين مرحّب، وشاجب، وداع إلى الحكمة والبحث، عن مخرج سلمي، في قضية، يبدو أن لا طرف فيها يريد الحل، بقدر ما يريد تحويل الشام، إلى حقل لتجريب مختلف الأسلحة الحربية من صواريخ “توماهوك” وطائرات، والسياسية والاقتصادية، وتحويل النزاع الروسي – الأمريكي، البارد القديم، إلى معركة ساخنة حديثة، لن يكون فيها من خاسر كالعادة، إلا سوريا. لكن التعليق الذي أثار الحيرة والغرابة، هو الذي تفضلت به بعض دول الخليج، التي وصفت ما قام به الرئيس الأمريكي الذي لم يتردد أبدا عن الإعراب عن مشاعره العدائية، اتجاه العرب والمسلمين، بالشجاعة.
أكيد أن “دونالد ترامب”، الذي لم يستشر، لا فرنسا، ولا دول الشرق الأوسط، وربما بشّر إسرائيل بالضربة، أو أخذ بنصيحتها، حتى لا نقول، بأمرها، لا تهمه هاته التعاليق “المبارِكة”، التي جاءت بعد أن أنهى عمليته، وعاد إلى قواعده سالما، بل إننا نجزم بأنه لم يقرأها ولم يسمع عنها، حتى تلك التي جاءت مُرحبة من الحلف الأطلسي والمجلس الأوروبي والجيش السوري الحر وأردوغان، ولكننا نسأل ونحن نعلم الإجابة مسبقا، عن الموقف الأمريكي اتجاه الجرائم الإسرائيلية التي استعمل فيها الكيان الصهيوني كل أنواع الأسلحة المحرمة في فلسطين ولبنان، ولم تقل القيادات الأمريكية المتعاقبة، أي كلمة حق، ولن نطلب منها استعمال طائراتها لردع الظالم، كما فعلت في سوريا، وكما وجدت من يصف موقفها ورئيسها بالشجاع.
لقد بلغت الحرب العالمية الدائر رحاها، في سوريا، سنتها السادسة، ونارها تنادي: “هل من مزيد”؟ وعلم الجميع بأن لا منتصر فيها سوى الكيان الصهيوني، الذي كان ينتصر في الحروب الكلاسيكية منذ 1948 بقليل من الخسائر، وصار ينتصر الآن بلا خسائر، ومع ذلك مازال البعض يُنظّر لما سيكون بعد الحرب، ظنا منهم بأن الحكم سيكون لهذا الطرف السوري أو ذاك، من دون أن يلتفتوا إلى النموذج اليمني أو العراقي الدامي، الذي نسف بلاد مأرب أو الرافدين من الوجود، فلا نال سُنّتهم عنب اليمن، ولا نال شيعتهم بلح الشام.
عندما يرحب النظام السوري، بتدخل القوات الروسية، على أرضه، بحجة شلّ حركة التنظيمات الإرهابية، ويطمح لتحقيق النصر ومواصلة التحكم في رقاب السوريين، وعدما ترحب المعارضة السورية بتدخل القوات الأمريكية، على أرضها، بحجة تأديب بشار الأسد، وتطمح للانفراد بالحكم بعد سقوط النظام، فإننا سنكون أمام بلد متوجه إلى مصير مجهول، لن يحكمه السوريون، بالرغم من أنهم هم الذين يشاركون بـ”الدم والروح” في هاته العملية الانتحارية التي تقدم سوريا على طبق من ذهب للكيان الصهيوني، الذي وجد نفسه متفرجا في مسرحية هو من نسج روايتها، وتطوّع أعدائه للعب مختلف الأدوار، وكان آخرها مجزرة خان شيخون في ريف إدلب والضربة الجوية الأمريكية، والخاسر دائما.. سوريا.