جنائز تحولت إلى أعراس يزف فيها الميت إلى قبره
شخشوخة وذبائح وأصناف من الحلوى في ولائم العزاء!
صورة من الأرشيف
باتت ولائم العزاء في الجزائر موضة تتطور وتتغير مع مرور الوقت إلى أن صارت بدعا، نكاد لا نفرق بينها وبين حفلات الزفاف من ناحية التكاليف والعزائم والذبائح وإدخال عادات جديدة قريبة إلى الأفراح منها إلى العزاء.
- فهناك ثلاثة ولائم عزاء في الجزائر تلي ليلة دفن الميت، وهي الليلة الثالثة، وهي عادة لا تزال قائمة في ولايات الوسط، خاصة الجزائر العاصمة، وقد تطورت هذه العادة بشكل كبير وأخذت شكلا قريبا من الحفلات، فهي وليمة عشاء كبيرة كانت في السابق تقام من طرف جيران الميت على سبيل المؤازرة والتخفيف عن العائلة من حيث المصاريف، فيقوم الجيران بتحضير وليمة العشاء التي كانت في الغالب أطباقا من الكسكس تصدق على الجيران وفي المساجد، وهي شرعا عادة ليست مكروهة بل جائزة حسب علماء الدين الذين يرون أن وليمة الليلة الثالثة للوفاة هي عبارة عن خاتمة الحزن الذي لا يجوز أن يتعدى ثلاثة أيام، وعليها جاءت عادة الليلة الثالثة عند العاصميين خاصة، وفي بعض المناطق الأخرى تفسر الوليمة على أنها لا يجب أن توقد نار في بيت عائلة المتوفى لمدة ثلاثة ايام، وعليه يقوم الجيران بتحضير العشاء في بيوتهم ويوزع على عائلة الميت التي تعفى من متاعب الطهي وتحضير وليمة العزاء نظرا لمتاعبها النفسية، لكن مع مرور الوقت تطورت وليمة الليلة الثالثة في الجزائر لتصبح ليلة صاخبة من السهر تتكفل بها عائلة المتوفى من الناحية المالية، تحضر فيها مختلف الأطباق والمقبلات والفواكه وأنواع السلطة والمشروبات الغازية تتبع بجلسة شاي أو قهوة موضوعة في أباريق فاخرة تزين بأكواب وشراشف من الحرير مع صحون زجاجية بها مختلف المكسرات طبعا بالنسبة للعائلات الميسورة، ويقال “عائلة فلان قامت بوليمة بالطّبع”.
- وحسب شهادات المواطنين، فإن وليمة العزاء باتت مكلفة أكثر من حفلة الزفاف أو الأفراح، لاعتقاد أهل الميت أنهم كلما تصدقوا وقدموا الكثير من الأكل بكل أنواعه زادت حسنات فقيدهم.
- كما تجدر الإشارة إلى أن ولائم العزاء الأخرى ما عدا ليلة اليوم الثالث بعد الوفاة تم الاستغناء عنها وتخلت العائلات عنها كوليمة الأسبوع بعد الوفاة وليلة الأربعين، على خلاف ولايات الشرق الجزائري التي لا تزال تحتفظ بهذه العادات التي أدخلت عليها تطورات وتكاليف لا يمكن تصورها، فالعائلات الجزائرية تعجل بوليمة الدفن، وهي يوم الوفاة تتمثل في الذبائح وأطباق من الكسكس والسلطة والفواكه والمشروبات الغازية، وعادة تتحمل عائلة المتوفى أو أقاربه كالإخوة تكاليف الوليمة التي تفوق الخمسة ملايين سنتيم كأقل تقدير، نظرا لعدد الأشخاص المعزين، وحسب حجم العائلة، وتستمر مآدب العشاء والسهرات إلى غاية اليوم السابع، وهي البدعة الكبيرة حيث تقوم على “الدعوات” فلا يمكن لأي شخص أن يحضر الوليمة إلا إذا وجهت له دعوة رسمية من أهل المتوفى لتناول العشاء، وفيه تحضر كل أنواع الأطباق التقليدية نفسها التي تقدم في الأفراح وحفلات الزفاف وهي الشخشوخة أو الكسكس مع لحوم الذبائح التي تصل إلى ثلاثة أو أربعة كباش بالنسبة للعائلات الكبيرة وأطباق ثانوية كالكفتة أو ما يسمى “لمثوم” والبوراك ثم اللحم الحلو مع تقديم كل أنواع الفواكه والمشروبات الغازية العالمية “كوكا، بيبسي، حمود…” وتحضر النسوة إلى وليمة الأسبوع بدون حزن يظهر على ما يرتدين من ألبسة زاهية وفاتحة الألوان كالزهري والأحمر والوردي وعباءات فاخرة نفسها التي يرتدينها أثناء توجههن إلى قاعات الحفلات وفساتين جميلة بنفس لون الحذاء، ويضعن بعض الحلي والمجوهرات كالأساور والخواتم والأقراط الكبيرة في الأذن، والملفت للنظر أن النسوة في بعض ولايات الجزائر يذهبن إلى الحلاقة لصبغ الشعر وتسريحه والتزين تحسبا لدعوة أسبوع الوفاة التي تعد بمثابة مناسبة للترفيه والالتقاء مع العائلة وتبادل الحكايات وحتى النكت.
- وتتبع وليمة العشاء بسهرة تستمر حتى منتصف الليل، توضع فيها موائد كبيرة فوقها صينيات نحاسية فاخرة لتقديم القهوة أو فناجين فاخرة مع أطباق الحلوى من مقروط وكعك وبقلاوة، وما يدهش أن في مأدبة الأسبوع تقدم حلوى الترك أو الشامية كما تسمى في بعض المناطق ودڤلة نور من النوع الرفيع وفي بعض المناطق يتم تقديم “الزلابية”…
- الرفيس بالعسل في وليمة الأربعين
- مناسبة الأربعين أو الأربعينية كما تعرف لغة، هي مرور أربعين يوما على الوفاة، وهي مناسبة لا تزال قائمة في ولايات الغرب والشرق بشكل كبير، وهي المناسبة التي يتم فيها بناء القبر بالرخام أو الخزف مع وضع الشاهد يكتب عليه اسم الميت وتاريخ ومكان ميلاده ووفاته، وفي هذه العادة يتم تقليص عدد الأيام من الأربعين يوما على حسب عدد أبناء المتوفى أي إذا كان الميت له أربعة أبناء فيقام ”الأربعين” بعد 36 يوما بعد الوفاة وهكذا،
- وهي وليمة يقول عنها الإمام محمدي سليم، وهو مستشار بوزارة الشؤون الدينية، إنها بدعة تعود لعهد الفراعنة، وهي غير مستحبة ولا تجوز شرعا، لأن الحزن في الدين لا يمكن أن يتعدى ثلاثة أيام، أما عن التكاليف في الولائم فهي أمور غير مقبولة لأنها كلفة لأهل الميت الذين مستهم مصيبة الموت وهي أكبر المصائب.
- غير أن الجزائريون يصرون على الإبقاء على هذه العادات والمناسبات التي لا نستطيع التفريق بينها وبين الفرح، فتنحر الذبائح يوم الأربعين وتقام وليمة فاخرة من كل الجوانب من مأكولات ومقبلات وأطباق يحضر لها مسبقا كالشخشوخة والكسكس والسلطة بكل أنواعها والفواكه مع سهرات طويلة لا تختلف عن وليمة الأسبوع، وتوجه في الأربعين دعوات أيضا لحضور الوليمة، وفي بعض المناطق يحتفلون بالأربعين في اليوم الموالي بتحضير “لبراج” وهي عبارة عن كسرة محشوة بالتمر وتوزع على البيوت وعلى أي شخص يتواجد في طريق المقبرة أثناء زيارة قبر الميت، أما في بعض ولايات الغرب فيحيون مناسبة الأربعين بالرفيس، وهي رقاق من الفطير المفور مرشوش بالعسل والزبيب والزبدة يوزع على المدعوين مع جلسات الشاي والمكسرات.
- وباتت بدع الولائم تنهك بعض العائلات الفقيرة التي تلجأ إلى اقتراض بعض المال لإتمام الوليمة على أكمل وجه واستقبال المعزين أحسن استقبال عن طريق تقديم أشهى الأطباق وأفخر المأكولات، وتنفق في ولائم العزاء ما يقام به حفل زفاف، ولا نستغرب أن تلجأ بعض العائلات لاستئجار قاعة حفلات لاستقبال المعزين في مناسبة الأربعين.