شراكة العام والخاص.. آليات لتقليص المخاطر وترشيد الميزانيات
تتجه الحكومة قريبا عبر مشروع قانون جديد إلى تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهي إحدى الآليات، التي يرتقب أن تساهم في ترشيد الميزانيات وتقليص المخاطر التي يمكن أن يواجهها القطاع العام، عبر إشراك الخواص في الخطط التنفيذية.
وحسب دراسة منشورة عبر مجلة “دفاتر” الصادرة عن مركز البحث في الاقتصاد المطبّق من أجل التنمية “كريد”، تتيح الشراكة بين القطاعين العام والخاص الفرصة أمام السلطات العمومية لنقل مخاطر المشروع إلى القطاع الخاص، ومرتفقي الخدمة العمومية، غير أن نجاح هذه الصيغ من العقود يتوقّف على مدى تبني مقاربة كفؤة لتوزيع مخاطر المشروع بين الأطراف المتعاقدة، حيث سعت الدراسة إلى استكشاف الممارسات العملية المعتمدة لتوزيع المخاطر في عينة من مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص بالجزائر.
واعتمدت الدراسة المنفّذة من قبل الأكاديميين عبد المالك مزهودة وسليم ثليجي وعزيز نافع ومحمّد شهرة وشمس الدين ثليجاني وإيمان بن قصير، المنشورة بتاريخ 15 نوفمبر 2022، على مجلة “دفاتر” العدد رقم 4، والصادرة عن مركز البحث في الاقتصاد المطبّق من أجل التنمية، “كريد” على المقاربة النوعية، حيث تناولت مشاريع الشراكة المنجزة في قطاعات النقل والموارد المائية والطاقة تحديدا مشاريع ميناء بجاية ومحطات تحلية مياه البحر وتوزيع المياه الصالحة للشرب والميترو.
وتشكل الشراكة بين القطاعين العام والخاص فرصة كبيرة للسلطات العمومية لنقل مخاطر المشاريع العامة الكبرى إلى القطاع الخاص، إلا أنها تتطلب ترسيخا أفضل في الجزائر، حيث أنه رغم دراسة مشروع القانون في اجتماع الحكومة في سبتمبر 2021 وإدراجه في خطة عمل الحكومة الجديدة ضمن القوانين التي تعتزم السلطات إصدارها، لا تزال الشراكات بين القطاعين العام والخاص بدون إطار محدد على المستويين التنظيمي والمؤسساتي، وفي مواجهة مثل هذا الوضع تزداد مخاطر الشراكة ومخاوف الشركاء الأجانب، مما يقلل من فرص تفاوض السلطات العمومية حول هذه المشاريع.
ويشدد معدو الدراسة، وهم أكاديميون من المدرسة الوطنية للإدارة، والصندوق الوطني للتجهيز من أجل التنمية، ومركز أبحاث الاقتصاد التطبيقي للتنمية على أن الشريك العام مكلف بتحمل بعض المخاطر التي تعتبر جزءا من مسؤولية الشريك الخاص، في بعض المواقف، كما يعتبر هؤلاء أن غياب الإطار التنظيمي لتأطير هذه الشراكة يحد من الفرص بين القطاعين العام والخاص ويعيق اختيار طريقة إدارتها، حيث أن فرص نجاح الشراكة تتعرض للتقليص، في حال لم يتم تحسين توزيع المخاطر بين الأطراف المتعاقدة، عبر اعتماد “سبل نوعية”.
ويؤكد معدو الدراسة أنه بالإضافة إلى ذلك، لم يكن توزيع المخاطر موضوع تفاوض أو إطار تعاقدي واضح في نماذج هذه الشراكة بالجزائر التي كانت محل الدراسة، باستثناء مشروع محطة تحلية مياه البحر، حيث تم تطوير واعتماد خطة تفصيلية لتوزيع المخاطر، الحالية والمستقبلية التي قد تبرز في المشروع، من قبل الشركاء.
ومن حيث الاستنتاجات، تؤكد الدراسة أن اللجوء إلى الشراكات بين القطاعين العام والخاص يعد اختيارا استراتيجيا للسلطات العامة، وهذا للاستفادة من العديد من المزايا، بما في ذلك ترشيد الميزانيات، وتقاسم المخاطر، وإشراك الخواص في الخطط التنفيذية للسياسات العامة وممارسة الحكم الراشد، حيث جعلت هذه المزايا الشراكات بين القطاعين العام والخاص الاختيار المفضل للسلطات العامة في العديد من البلدان المتقدمة والنامية، وقد لعبت المؤسسات الدولية، من جانبها، دورا مهما في تطوير هذا النمط من خلال تنفيذ المشاريع ذات الطابع العام بشراكة عمومية- خاصة.