الجزائر

شعارات التعدد في الوحدة

الشروق أونلاين
  • 714
  • 0
ح.م

ما يلاحظه المتتبِّع والدارس لفينومينا التظاهر في الجزائر بعد 20 سنة من “الكبت السياسي”، هو ذلك التنوع في الشعارات المكتوبة، دون ذكر الشعارات والهتافات الشفهية، التي أخذت منبعها أساسا من هتافات أنصار كرة القدم في الملاعب، خاصة الفرق العاصمية.
على مستوى الشكل، نلاحظ أولا ذلك التنوع اللغوي: العربية الفصحى، الدارجة المحلية، الأمازيغية، الفرنسية والانجليزية، ما يعني أن الخطاب المتضمَّن في هذه الشعارات إما يكون فرديا أو جمعيا، أو خطابا موجها للغير.. للخارج. فقد لاحظنا الخطاب الموجَّه لفرنسا الحالية التي تذكِّرها بتاريخها الاستعماري، وتحذير فرنسا لكي تبقى على الحياد في شأننا الداخلي. هذا له مغزى كبيرٌ يفيد أن الوعي الوطني مستمر، بل وفي تزايد، خاصة مع احتقان الشارع للعلاقات السياسية الاقتصادية مع فرنسا لرجال السياسة والمال، إلى درجة أنه أوحى للشعب أن هناك تواطؤا بين فرنسا والسلطة والطغم المالية السياسية عندنا. هناك وعيٌ وطني متزايد. الأعلام الوطنية التي اكتست الشوارع والعمارات والساحات والألبسة، ظاهرة فريدة من نوعها منذ الاستقلال.
على مستوى المضمون، الشعارات التي كانت بالآلاف تُثبت أن هناك تنوعا اجتماعيا وفكريا وتطوّرا في الوعي السياسي والعالمي: الجزائري صار بفعل الحديثة يرى ويسمع ويتقاسم كل ما يجري في اللحظة والحين، ما أكسبه دراية بكل ما يحدث في العالم الغربي والعربي، جعله يتظاهر بهذه السلمية المنقطعة النظير ويُظهر للعالم أنه شعبٌ متحضر مبهِر منظَّم، متعلم واعي ومسالم أيضا. كما أظهرت الشعارات الكثيرة وحدة التنوع المتناغم وأوضحت أن خشونة الإنسان الجزائري هي بسبب الاحتقان ومنعه من التعبير لا أكثر.
مضامين الشعارات تدرَّجت في المطالب، بل فصلت فيها؛ ففي البداية كان الشعار الأكثر حضورا هو رفض العهدة الخامسة، بكل أشكال التعبير عن هذا المطلب وبكل الصيغ، غير أن رد فعل السلطة إزاء هذا المطلب الذي رأى فيه الشارعُ مناورة لكسب الوقت والالتفاف على مطلب بالتشبُّث أكثر بالسلطة ومراوغة الشارع، زادته وأكسبته زخما أكثر ما جعله يفصل في المطلب ويطالب بعدم التمديد للعهدة الرابعة وبرحيل رموز النظام أي القطيعة.. وهذا أيضا بآلاف الشعارات الصغيرة التي تعبِّر عن هذا المطلب، أي الشعارات الفردية المستمدة من الشعارات الجماعية الكبرى.
على مستوى الحامل، لاحظنا تعدُّد الحوامل: لافتات كبيرة وعملاقة بخطوط عربية أو عامية أو بالفرنسية أو بالأمازيغية، تليها شعارات وملصقات ولافتات متوسطة تفصيلية للمطالب الشعبية العامة، وصولا إلى حوامل ورقية أو من ورق مقوّى بسيطة توحي ببساطة المتظاهر الشعبي.
اللباس كان عاديا وعاما، لا تمييز في اللباس لدى الإناث كما لدى الذكور برغم أن المظاهرات الكبرى كانت تُنظم أيام الجمعة بعد أوقات الخروج من المساجد؛ فلا قميص ولا لباس يوحي بالانتماء الحزبي أو الديني أو المذهبي، فيما كان لافتا عودة الحايك، خاصة يوم جمعة 8 مارس، والذي يمكن أن يتضمن قراءات وشعارات دلالية كثيرة، تصبُّ كلها في الظهور باسم الوطنية وثورة التحرير وصورة الاستقلال الوطني أو معركة الجزائر.
أخيرا، الأساليب الجديدة التي ابتدعها الشباب في الشعارات كانت تتسم غالبا بالتهكُّم والسخرية والفكاهة باستعمال الترميز الدلالي.. كالكاشير، أو التنكيت السياسي، وهو أمرٌ جديد ولافت في المظاهرات لم يسبق له مثيل، واضح أنها تشبَّعت بروح الدعاة التهكمية من الوضع السياسي المغلَق المعلَّب منذ سنوات والذي بدأ يظهر على صفحات التواصل الاجتماعي، هذه الأخيرة التي تجسّدت على مستوى الشارع بداية من أول مظاهرة في الجمعة 22 فبراير.

مقالات ذات صلة