شعبٌ ينتحل صفة شعبٍ آخر
ما فعلته مواقع بيع الخيال، في بلاد مراكش، تعدّى على كل الأعراف، فاستغبت الشعب المغربي الطيب، وجرّته إلى مواقع، حيث لا يعود من بلغها، سالما بعقله.
بعد أن أسكنته في إمبراطورية تمتدّ من الرباط إلى داكار، في الخيال، وأرّخت له لقرون بعيدة، وجعلته أقدم من نوح وآدم، وألبسته من القفطان ما سرّ الناظر وأسره، والشاشية وخيط الروح، وأطعمته ما لذّ وطاب من المحجوبة والكسكس والشُّربة الحمراء، وزيّنت بيته بالزليج، وأطربته من الشعبي والمالوف والراي، وأفمهته بأن ملكه ومالكه هو حفيد خير البشر، معصوم ومنزّل من السماء، تظهر صورُه مع ضياء القمر، في الخيال طبعا، باشرت إبعاد الموبقات عنه وإلصاقها بجاره الشرقي حتى ولو أقرّ بأنه هو من فعلها، مع سبق إصرار وترصُّد.
خلال الهروب الجماعي الكبير من المملكة المغربية في منتصف شهر سبتمبر الماضي، عندما اتّفق الآلاف من المغاربة على القيام بهجرة جماعية في كل الاتجاهات انسحابا من عالم الرذيلة والفقر والاستعباد، قام بعض المغاربة من الذين يقتاتون من مواقع الخيال، بتقديم نساء مغربيات، ورجال مغاربة تحدَّثوا بلسان جزائري على أنهم قطعوا الطريق البرّي من الجزائر إلى المغرب، من أجل الهجرة إلى أوربّا سباحة ومخاطرة بالنفس.
وفي منتصف ماي الماضي عندما بثَّ التلفزيون الجزائري صورا لانطلاق حملة الحصاد في جنوب البلاد، وصف التلفزيون المغربي الفتح الفلاحي الجزائري، بـ”مهاترات الذكاء الاصطناعي”، وفي كل مرة كان هؤلاء الببغاوات يستعينون ببعض الشعب المغربي الذي ينتحل صفة الشعب الجزائري، من أجل أن يقولوا للمغاربة بأنَّ كل فضيلة في الدنيا هي خصلة من خصالهم، وكل رذيلة في الأرض هي من رذائل جيرانهم.
لكن ما حدث مؤخرا صار يؤكد أن مفعول أزيز الذباب المغربي، أخطر من مفعول الحشيش الذي أدخله المخزن ضمن الاختصاصات الفلاحية في المملكة، لأن مفعول الحشيش في الغالب عابر، بينما مفعول الذباب دائم، فقد اصطفَّ العشرات من المغاربة، بعضهم تقمّص شخصية مواطن من مستغانم وآخر من سطيف وثالث من البويرة، وراحوا يقدِّمون أنفسهم على أنهم جزائريون، يريدون تغيير أوضاع بلادهم، بعد أن ضاقت بهم السبل، في محاولة فاشلة للبس ثوب، كان من الواضح بأنه مخصّص للنبلاء والأحرار، وليس لعبيد تقبيل اليد، وبيع “الشّقائق” في أسواق البغاء العالمية.
يقول الممثل الأمريكي ذائع الصيت “توم كروز” ونظنّه واحدا من أنجح الممثلين في تاريخ السينما العالمية: “ليس صعبا أن تتقمَّص دور ذليل أو حقير أو مجرم، لأنَّك هنا مجبر على النزول الممكن في صفة الشخصية المقترَحة، أما الأدوار التمثيلية الصعبة والمعقّدة، فهي أن تتقمص دور عظيم أو نبيل، لأنك هنا ستكون مجبرا على تسلّق جبال الذكاء والشجاعة والرقي”، وهو حال هؤلاء الذين يريدون يائسين نفخ القمر الزاهي، فقط لأجل أن يقولوا لشعبهم بأنه يوجد هناك من يعيش مآسينا نفسها هنا.