شعب الله المحتار!
تصريحات وتهديدات وزير السكن الجديد، مثلما نقلت الرعب إلى المتقاعسين والمتكاسلين، فإنها أعادت الأمل لآلاف المواطنين الذين ينتظرون سكنا منذ عشرات السنين، بمختلف صيغه، وفي انتظار تحقيق حلم الزوالية، يتبيّن أنه بالفعل “اللسان الحلو يرضع اللبّة”، وأن الكلمة الطيبة أحيانا تكون أقوى من قنبلة نووية قادرة على مسح بلد بأكمله.
مشكلة أغلب الجزائريين، أنهم لا يجدون من يشتكون عنده، وإذا وجدوا، تعامل معهم وفق منظور “الأطرش في الزفـّة”، وفي كثير من الأحيان، يحرّضونهم على الاحتجاج والخروج للشارع، بعد ما يقتلون فيهم الأمل والإحباط!
مشكلتنا أنـّنا نغرق في التفاصيل وننسى أو نتناسى المضامين، فنتفـّه ونسفـّه أمهات القضايا، ونحوم حول أرقام وأوهام لا تسمن ولا تغني من جوع، بل إنها تضرّ ولا تنفع بأي شكل من الأشكال!
مشكلتنا أنـّنا لا نجد في كثير من الأحيان، من يُقنعنا ومن يسمعنا، ومن يسمع أكثر ممّا يتكلم، ومن يستجيب لانشغالات المظلومين والمدفونين أحياء يرزقون في مقبرة “الحڤرة” والإقصاء!
إشكالية الجزائريين، أنه مثلما قالها أحد الحكماء والعقلاء، حڤارين ومحڤورين، كلّ منـّا يحقر الآخر حسب منصبه واختصاصه وسلطته ونفوذه ودائرة صلاحياته وولاءاته وانتماءاته!
المشكل في الجزائر أن أتباع المعارضة يخوّنون أنصار “المشاركة في الحكم”، وأن أنصار “المشاركة في الحكم” يجرّمون أتباع المعارضة، وبين الصنفين، شبعنا من “الهدرة” والثرثرة وتصفية الحسابات والتنابز بالألقاب!
المشكل أن أغلب المسؤولين يقولون ما لا يفعلون، ويتورطون في تنويم وقتل المشاريع والتنمية، إمـّا بسوء التسيير والعشوائية، وإمّا بالإهمال واللامبالاة والتسيّب والتقاعس وعدم التبليغ عن الفضائح!
مشكلتنا أن اللاحق يلعن السابق، فيتكاثر التنظير والفلسفة والديماغوجية ولغة الخشب والنصب والكذب، وتتوه الملفات وسط غبار الأرشيف ويتخلص من بعضها في القمامة والمزابل!
المشكلة أن الذين يتكلمون ويثرثرون وينظـّرون، أكثر بكثير من الذين يعملون ويضحّون وينفذون، ولذلك، تتأجل البرامج وتلغى أخرى، وتتأخر حصة الأسد منها، فيكون الركود والجمود حتما مقضيا!
مشكلة الجزائريين، أن الأبطال لا يجدون من يشجعهم ويدعمهم ويكرّمهم، بل يجدون من يثبط عزائمهم ويجازيهم بجزاء سنمار ويُعاقبهم بالتهميش والإهانة والإساءة، فنكون شعب الله المختار بدل شعب الله المحتار!
المشكلة أن الرداءة انتصرت على الكفاءة، والانتهازية والوصولية غلبتا الولاء والوفاء، والبقاء أصبح للأقوى وليس للأصلح، في غابة القويّ فيها يأكل الضعيف، وفي محيط “حوت ياكل حوت”!
مشكلتنا أن الجزائر حُرّرت بالجميع وعليها أن تـُبنى بالجميع، لكن “البعض” فقط يستفيد من خيراتها وثرواتها ومسؤولياتها، فلم يصبر البعض الآخر، حيث قرّر الفرار و”الحرڤة” والانتحار!
المشكلة أن المجاملات المفرطة والمفبركة قتلت الإبداع والابتكار، فيما وأد التمييز والمفاضلة الرغبة في العمل والمثابرة والتضحية واقتسام “الخبزة” توزيعا عادلا بين الأشقاء الفرقاء!
نعم، إنـّنا جميعا في حاجة إلى “استراحة محارب”، يلتقط فيها كل فرد أنفاسه، ويُراجع حساباته ودفاتر حسناته وسيّئاته، حقوقه وواجباته.. بعدها قد يظهر بصيص أمل في مضجع يبدو أنه مازال غير آمن!