حرب إقليمية بتداعيات خطيرة على دول الخليج!
الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني على إيران اليوم، ستكون لها بجميع المقاييس تداعيات خطيرة على المنطقة وعلى دول مجلس التعاون الخليجي تحديدا في كل الحالات، إِنْ هي تمكنت من تدمير إيران أو هي انتهت بخسارة الولايات المتحدة الأمريكية هيبتها ونفوذها في المنطقة. في كل الحالات لن يستفيد الشرق الأوسط منها شيئا.
في حالة تدمير إيران وتَمكُّن قوى التحالف الصهيوني الأمريكي من تغيير نظامها السياسي بالقوة، فإن ذلك معناه خضوع المنطقة برمتها للمنطق الصهيوني وابتزازها بالكامل وبكافة الأساليب! بل الاستعلاء عليها واستعبادها. سيقول الأمريكي والصهيوني لعرب المنطقة لقد حررناكم من سيطرة إيران وقضينا على خصمكم الأول الذي كان بإمكانه أن يُهينكم ويحتلكم لولا نحن، لذا فإذا كُنَّا بالأمس نحميكم منه نحن اليوم أسياده وأسيادكم! هيبة الخليجي ستنهار أمام الأمريكي والصهيوني وستُفرَض سياسات إخضاع على كافة المنطقة تدوم مادامت الطاقة بها تتدفق. أما في حالة صمود إيران وخروجها منتصِرة بعد استيعابها مختلف الضربات فسيتم تأجيج نار الفتنة بينها وبين جيرانها باعتبارها تهديدا حقيقيا وليس افتراضا، وسيكون هذا موضع ابتزاز آخر غير محدود لِقدرات دول الخليج أكثر من الابتزاز الأول! ويستفيد الصهيوني من هذا الوضع أقصى استفادة من خلال إطلاق حريته لامتصاص أموال المنطقة والسيطرة على خيراتها وتجارتها والتحكم في قياداتها من دون وسيط.
وفي الحالتين سيخسر العالم مسارا بدأ يتحرك باستقلالية في الآونة الأخيرة في المنطقة لتكون له استراتيجية متوازنة بين كُبرى الاقتصادات العالمية: الصين، اليابان، روسيا، الإتحاد الأوروبي، وليس فقط مع الولايات المتحدة. وبالضرورة، وكنتيجة لذلك، لن تبقى الدول العظمى الأخرى مكتوفة الأيدي، خاصة الصين والاتحاد الأوروبي، بل ستسارع هي الأخرى للحصول على نصيبها من غنيمة الوضع الجديد في ظل ضعف القوى المحلية التي ستُصبح مغلوبة على أمرها، غير قادرة على رسم مسار مستقل. وهنا سيتبخر حلم “النموذج” الخليجي الرائد عالميا، وتُمنَع دولَه من الاستمرار في إنجاز مشاريعها الضخمة، خاصة تلك التي لها أبعادا عالمية ويمكنها أن تكون أنموذجا لدول الجنوب وليس فقط للعالم الإسلامي. بمعنى آخر أن هذه الحرب الخاسر الأكبر فيها حتى قبل إيران هي دول مجلس التعاون التي اعتقدت أنها عرفت سكة النهضة والتقدم. ذلك أن الطفرة التي عرفتها في العقدين الأخيرين لم تعد ترضى الكيان الصهيوني الذي يسعى باستمرار لبقاء العرب متخلفين في كافة المجالات مقارنة به وتابعين له في المجالات الرئيسة بخاصة قطاع التكنولوجيات المتقدمة.
لذلك ليس من السهل اليوم التعامل مع الوضع الجديد الذي ستفرزه هذه الحرب، وليس من السهل الاصطفاف فيها، خاصة بالنسبة لمجموعة هذه الدول، ذلك أن بدائلها جميعا ملغّمَة لتنتهي في الأخير ضد مصالحها. ولعل وضعها ما بعد الحرب سيكون أخطر من وضع إيران وأخطر من وضع الكيان الصهيوني. إيران إن كانت الحرب قصيرة وتوقفت بعد أيام تكون قد ربحت رهان التحدي وستفوز بلقب أول دولة إقليمية في المنطقة بلا منازع، والكيان الصهيوني سيضطر إلي تحجيم تطلعاته لضربها في المستقبل وستصل به قيادة تقبل بالحلول الوسطى مع الفلسطينيين غير التي هي مطروحة الآن، أما الولايات المتحدة فتكون قد قامت بصيانة هيبتها أمام العالم بالإعلان أنها مازالت قادرة على الضرب وهي لا تخاف الحرب بما يمدها بسنوات أخرى من الهيمنة… أما إن كانت الحرب طويلة الأمد فستكسب إيران مزيدا من الثقة في النفس وستتكيف معها وتُصبح أكثر خطورة مع مر الأسابيع والأشهر، ولن تلتفت بعدها لمصالح الأطراف المحلية، خاصة الخليجية، باعتبار أنها قادرة على الدفاع عن نفسها ضد أكبر قوة عسكرية في العالم، وستضطر أوروبا في هذه الحالة للتعامل معها ناهيك عن الصين وروسيا اللذين سيعززان علاقتهما بها. وبهذا يكون أكبر الخاسرين في هذه الحرب، في جميع الحالات هي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية!