شعب يذبح وسلطة تمرح في ربيع عربي يترنح
من أسبوعين، صرح رئيس ما يسمى بالسلطة الفلسطينية بأنه لن تكون هناك أبدا انتفاضة مسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي مادام هو على رأس السلطة. التصريح، يمكن أن يقرأ، في ظل القصف الذي تتعرض له غزة، منذ صبيحة يوم الخميس الماضي، كدعم مسبق للكيان الإسرائيلي، أو لنقل أنه كالضوء الأخضر لها كي تزلزل الأرض تحت أقدام الغزاويين.
صحيح أن إسرائيل لا تحتاج لموافقة محمود عباس وجماعته لتقصف أو حتى لتعيد احتلال غزة أو الضفة الغربية، لكنها في الوقت نفسه، تحتاج لتحييد جزء من الفلسطينيين لتتفرغ لقتال الجزء الآخر منهم.
لا شيء يخيف إسرائيل ويرعبها كالانتفاضة المسلحة الشاملة على كل أرض فلسطين؛ فهي تعلم بأن نهايتها تبدأ يوم يتوحد الشعب الفلسطيني ويقرر التوقف عن جعل الحل السياسي والسلمي هو الحل الوحيد الممكن لتحقيق الدولة الفلسطينية ولو على جزء صغير من أرض فلسطين.
في لقاء، بمقر جريدة الشروق، منذ سنة، مع قيادات من حركة حماس الفلسطينية الذين كانوا في زيارة للجزائر، حاولت أن أناقشهم في مسألة وجود طريق وحيد يؤدي إلى نشوء دولة فلسطينية مستقلة، لكنهم اعتبروا ما أدعو إليه هو إلغاء لهم ولحركتهم.
الطريق الوحيد، في نظري، يبدأ من الاستفادة من أخطاء الماضي والتي منها خطآن قاتلان، أولهما متعلق بتعريب الصراع، فقد سعى الفلسطينيون، منذ 1948 إلى جعل القضية الفلسطينية قضية عربية، مما أدى إلى تشتت الصف الفلسطيني بين الزعامات العربية. في الوقت الذي كان الفلسطينيون يعانون من مآسي الاحتلال، راح القادة العرب يبنون أمجادا لهم على حساب القضية التي لم يمنحوها سوى خطبا وتشتيتا، حيث أنشأ، أو دعم، كل واحد منهم فيصلا فلسطينيا يستعمله لضرب الفصائل الأخرى التي ترفض الانصياع لأوامره وتوجيهاته.
تعريب الصراع، لم يجعل القضية الفلسطينية تستفيد من الدعم العربي بل حول إسرائيل، في نظر الرأي العام الغربي، إلى ضحية لأنها محاصرة، من كل جهة، بدول عدوة؛ بينما الواقع يقول إن كل أنظمة دول الطوق ساهمت، بطريقة أو أخرى، في حماية أمن إسرائيل وسعت إلى إضعاف الصف الفلسطيني وتقسيمه.
الخطأ القاتل الثاني، هو الموافقة على توقيف انتفاضة الأطفال والدخول في مفاوضات مع عدو مراوغ، وتحت إشراف، أو بضمانة، الدولة الحامية لهذا العدو: الولايات المتحدة الأمريكية.
الذين تابعوا ما كانت تنقله الصحافة الغربية عن انتفاضة الأطفال، أدركوا، في ذلك الوقت، بأن هذه الانتفاضة وحدها من ستحمل تباشير النصر للفلسطينيين. صور عساكر إسرائيل وهم يقتلون الأطفال، أو في أحسن الحالات يهشمون أصابعهم حتى لا يتمكنون من حمل الحجارة ثانية، هزت الضمير العالمي وجعلت المساندين والمؤيدين لإسرائيل يكتشفون حقيقة هذا الكيان. كان من الممكن أن تحقق الانتفاضتان (الأولى والثانية) الكثير للقضية الفلسطينية لو لم يقبل السياسيون، وتحت ضغوط غربية وعربية، بالجلوس إلى طاولة المفاوضات بدون شروط.
قلت لقادة حركة حماس، أعذروني إن كانت أحداث ثورتنا مسيطرة على فكري وتتحكم في رؤيتي للأمور، وذكرتهم بمحاولات ديغول إجهاض هذه الثورة عن طريق ما أسماه بسلم الشجعان ثم بمحاولة تقسيم الجزائر كي تحتفظ فرنسا بالصحراء.
الثمن الذي دفعه الجانب الفلسطيني، لبدء المفاوضات مع الدولة العبرية، كان توقيف الانتفاضة. هذا ما كانت تريده إسرائيل ولما تحقق لها ذلك أصبحت هي المتحكمة في زمام الأمور، فحولت جولات المفاوضات إلى مجرد لقاءات يتبادل فيها الطرفان القبلات والابتسامات ثم يفترقان، وفي كل مرة تعيد إسرائيل الأمور إلى نقطة الصفر مثيرة قضايا ثانوية تغرق بها الجانب الفلسطيني وتجعله يدور في حلقات عدة مفرغة.
ومع طول السنين وترهل القيادات وتعفنها بقضايا الفساد، وارتباطها بمصالح مالية مع مؤسسات إسرائيلية تابعة في معظمها لرجال الموساد، وتطور العلاقات الخاصة بين بعض المسؤولين بالسلطة الفلسطينية والإسرائيليين حد ولوجهم إلى سرير وزيرة الخارجية السابقة ليفني التي قالت -وأنا أصدقها لأنها لم تتعوّد الكذب على شعبها- أنها مارست الجنس مع قيادات فلسطينية وعربية من أجل خدمة إسرائيل وأن الحاخام أفتى لها بفعل أي شيء يؤدي إلى إضعاف الجانب الفلسطيني والعربي ويقوي إسرائيل… مع كل هذا يزداد تشتت الصف الفلسطيني ويبتعد الحل أكثر فأكثر.
في كل جولة من جولات المفاوضات الطويلة التي تمت، خلال السنوات الماضية، بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، كنت أتذكر أعضاء الوفد الجزائري الذي فاوض الفرنسيين في إيفيان بسويسرا، وكيف أنهم (أعضاء الوفد الجزائري) لم يقبلوا بمصافحة أعضاء الوفد الفرنسي إلا بعد الاتفاق النهائي على كل بنود الاتفاقية.
هذه أخطاء الماضي التي يجب تجنبها بإعادة الصراع إلى حقيقته وإلى ما يجري على الأرض بالفعل. الواقع يقول إن الصراع هو صراع فلسطيني إسرائيلي. العرب كلهم، من الخليج إلى المحيط، لن يحرروا فلسطين ولن يخوضوا أية معركة من أجلها. الأنظمة العربية الحالية ليست أبدا مهيأة لإدراك أخطار قوة إسرائيل على دولها وعلى مستقبل شعوبها، كما أنها متورطة في علاقات مشبوهة مع الكثير من دوائر القرار والاستعلامات والجوسسة في الدول الكبرى؛ فلماذا المراهنة عليها إذن؟.
الحل، اليوم، كما قدمته لرجال حماس الفلسطينية، يكمن في ذهاب الجميع: السلطة وحماس وكل التنظيمات والحركات السياسية. على الجميع أن يعلنوا بأنهم فشلوا وأنهم أفلسوا وأنهم يعيدون القضية برمتها إلى الشعب، تاركين إسرائيل في مواجهة جيل جديد نشأ تحت الحصار وقنابل الفسفور الأبيض. أكيد أنه من وسط هذا الجيل الجديد ستخرج مجموعة (22) التي تفجر ثورة ذات هدف واحد ووحيد هو تحرير فلسطين؛ وأن تكون هذه الثورة لا شرقية ولا غربية، لا إسلاموية ولا جهادية ولا علمانية ولا ليبرالية، ولا تنتمي لا لمصر ولا للسعودية ولا للجزائر وأن من أراد، من العرب، أن يدعم فليقف معها ماديا وفي المحافل الدولية بدون أي تدخل في شؤونها.
هكذا قلت لقادة حماس، فكان ردهم: أنت تريد أن تلغينا؛ وكان جوابي: عليكم أن تلغوا أنفسكم من أجل فلسطين.
هكذا انطلقت الثورة الجزائرية، وهكذا ألغت جميع الأحزاب والشخصيات السياسية لصالح الهدف الواحد والوحيد: تحرير البلد من الاحتلال.