شفاءٌ بلا وقاية ولا علاج!
تعامُل الجزائريين مع لقاح كورونا، المتوفر حاليا بملايين الجرعات غير المستغلة والمهدَّدة بانتهاء مدة صلاحيتها، يحتاج إلى دراسة سوسيولوجية ونفسية عميقة جدا. وثورة وزير الصحة الذي بدا غير فاهم، حتى لا نقول محبطا، من عزوف الجزائريين عن اللقاح، وكأنّ أبدانهم مُحصّنة من الوباء بالرغم من أن الموجة الثالثة كانت فتاكة ونالت من آلاف الجزائريين، كانت اختصارا لتشخيص حالة بعض الجزائريين النفسية قبل الجسمانية.
خلال الموجات الثلاث من جائحة كورونا، كان العديد من المواطنين يرفضون تحميل أيِّ فرد من الشعب مسؤولية تفاقم الوباء، ويصرّون على أن السلطة وحدها من تجرّ ذنب الإصابات والوفيات، وعجزَ المستشفيات ونقص الأوكسجين، وحتى تعطل وصول الأجهزة الطبية والأدوية واللقاحات، فكان كلما ارتفعت نسبة الإصابة أو الوفيات في هذه المدينة أو تلك، إلا وأبرقت وأرعدت وأمطرت صفحات التواصل الاجتماعي صورا وتعليقات، تضع السلطة دائما كمتّهم، والشعب دائما كضحية، وترفض أي مرافعة دفاع لصالح الأولى، وأي شبهة نيابية للثاني، لكن مع مرور أشهر الوباء الفتاك، وظهور اللقاحات التي تعب لأجل ابتكارها وتوفيرها الآلافُ من العلماء والخبراء في العالم، ومنهم جزائريون، صار من الواجب تقييم الذات بموضوعية، ومعاودة طرح سؤال وزير الصحة السيد بن بوزيد والإجابة عليه بصدق وموضوعية وهو: ما سبب عزوف الجزائريين عن تلقي اللقاح وهم يشاهدون عودة الوباء وبقوة في بعض البلدان، وأيضا توفر الجزائر حاليا على ثلاثة عشر مليون جرعة من كل الأنواع ومن كل البلدان التي تنتظر المتلقين؟
هناك بعض الجزائريين ما إن يشتدّ عضدهم الجسماني وليس العقلي، حتى يباشروا انتظار الرفاهية النازلة من السماء في طبق ذهبي، وليس السعي لأجلها، فتراهم يترقبون السيارات الفارهة والرحلات السياحية الراقية، وكأنهم وُلدوا بملاعق من الألماس والزمرد في أفواههم، وقدرهم أن يكونوا أثرياء من دون عمل وأصحّاء من دون وقاية ولا علاج، فجاء تعامل بعض الجزائريين – ومن خلال الأرقام يمكن التأكيد بأنهم غالبية وليسوا “بعضا” – مع لقاح كورونا نتيجة لتراكمات كثيرة، جعلت الجزائري “اتّكاليا”، لا يرى نفسه إلا “مُدللا”، من سلطة توفر له سكنا ومنصب شغل من دون عمل، وحتى الشفاء من دون “تشكة” اللقاح.
هناك بعض من مرضى النفوس من لم يهضم تقديم الجزائر جرعات من اللقاحات المستوردة كمساعدة لبلد جار، واستعداد الجزائر لمساعدة بعض الدول الصديقة وخاصة الفقيرة بجرعات من مركب صيدال قسنطينة الذي يُنتج لقاحات كورونا، وراحوا يقرنون هذه المساعدات بحكايات “خبز الدار الذي يأكله البرّانية”، وببعض أزمات الزيت وغلاء المواد الاستهلاكية، من دون تشخيص الحالة منطقيا، لأن هذا المخزون من اللقاح الذي يكفي دولا بأكملها قابلٌ فعلا للتلف إن لم يصحو ضمير المواطنين الذين رفضوا التلقيح، ومنهم حتى من تلقى جرعة واحدة واختفى، وكأنهم يلعبون الغميضة مع غيرهم أو بأنفسهم، في أغرب عبثٍ صحي يمكن أن يتصوّره إنسان.