شفاء من “عمى الألوان”
الآن وقد صار باراك أوباما فعليا الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية، علينا نحن العرب أن ننعتق من بعض غبائنا وسذاجتنا، فلا نضيع المزيد من الوقت والجهد في محاولات يائسة وبائسة لاستشراف مستقبل سياسة واشنطن الخارجية.
-
فقد أثبت التاريخ في عديد من محطاته الفاصلة بأن مواقف أمريكا الكبرى تنبع من استراتيجية ترتبط بالمؤسسات لا بالأشخاص مهما تغيرت ألوانهم، وليست بعيدة عنا عهدتا الرئيس الأسبق بيل كلينتون الذي أغرقنا في أحلام لا أول لها ولا آخر، حتى اعتقدنا مثلا بأن استرجاع الشعب الفلسطيني لسيادته على أرضه سيكون على يديه، وبأن المارد الصهيوني وجد أخيرا من يكبح جماح تعنته، ويعيده إلى قمقمه مطأطئ الرأس صاغر الرقبة، قبل أن يتحول الحلم إلى كابوس ويهدد الشاب كلينتون بنقل مقر سفارته إلى القدس.
-
وبالأمس القريب فقط أطل علينا المترشح أوباما بخطته للانسحاب من العراق المحتل خلال 16 شهرا..انسحاب ينتهي بترك قوة حماية أمريكية “صغيرة”، وكما جرت العادة ابتلعنا الطعم، واعتقدنا بأن “حسين” سيمنح العراقيين استقلالهم، قبل أن نصدم بحقيقة أن المقصود من “القوة الصغيرة” هو 60 بالمائة من الوجود العسكري الأمريكي على أرض الرافدين، وبأن الخطة تلك لا تختلف إلا في قليل عن مشروع بوش للانسحاب.
-
الذي يجب أن يستوقفنا اليوم بعيدا عن تلك الخرافات والترهات التي لا طائل منها ولا معيل، هو القدرة الباهرة للشعب الأمريكي، الذي يملك كثيرا من الجغرافيا والقليل من التاريخ، على رأي الصحفي العربي الكبير حسنين هيكل، على التغيير.. قدرة تمنح واشنطن من القوة ما يفوق ترسانتها النووية القاهرة واقتصادها الكاسح وتطورها العلمي والتكنولوجي المهول، فهي تعني إمكانية معاقبة الرئيس “الكذاب” كما هو شأن بوش الإبن، ومحاسبة الحزب المخل بالتزاماته كما هو شأن المحافظين، وتعني أيضا وضع حد لجبروت المتطرفين كما هو حال “المحافظين الجدد”.
-
قدرة الشعب الأمريكي على التغيير والتكيف هو الذي يجب أن يستوقفنا اليوم، بعيدا عن أساطير التنبؤ والاستشراف، ففي حين تعافى هو من مرض “عمى الألوان”، لا زلنا نحن العرب نصر على مشاهدة واقعنا بالأبيض والأسود.