شكرًا… حسام حسن
فاجأ المدرِّبُ المصري، حسام حسن، العالم أجمع، ليس فقط ببناء منتخب قوي قادر على مقارعة كبار العالم وتشريف الكرة المصرية، بل أيضا بمواقفه المشرِّفة من القضية الفلسطينية؛ إذ رفع العلم الفلسطيني عاليًا في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد التأهُّل لدور الـ16 من كأس العالم على حساب أستراليا، وأهدى التأهّل للفلسطينيين، ثم أدلى بتصريح مثير قبل مباراة الأرجنتين، انتقد فيه سكوت العالم عن مجازر الاحتلال في غزة.
من قلب مدينة أتلانتا الأمريكية، انتقد حسام حسن الصمت الدولي وازدواجية المعايير تجاه المعاناة الإنسانية التي يعيشها الشعبُ الفلسطيني في غزة، واستنكر بشدة التناقض الصارخ بين التعاطف الواسع مع “حقوق الحيوان” في أوربا وأمريكا، والتغافل الصادم عن مقتل آلاف المدنيين، وفي مقدِّمتهم الأطفال والنساء في غزة، وقال إنّ ما يحدث في غزة عارٌ على أصحاب القرار وعلى العالم كلّه.
والواقعُ، أنّ ما تحدّث عنه المدرِّب المصري أمرٌ معروف؛ فمنذ اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر 2023، والمتتبِّعون المنصفون ينتقدون جميعا الصمت المخزي الذي قابل به حكامُ الغرب المجازر المهولة التي كان الاحتلالُ يرتكبها في غزة، إذ كان يوميا يستهدف عشرات الأطفال والنساء والمدنيين ويدمِّر بيوتهم ومنشآتهم فوق رؤوسهم بكلّ وحشية ودموية، من دون أن يثير ذلك استنكار قادة الغرب الذين لزموا صمت القبور، والأسوأ من ذلك أنّ بعضهم كان يبرِّر هذه المذابح بكل صلف ووقاحة ويعدّها “حقا” للكيان في “الدفاع عن نفسه”، وبذلك كشفت حرب الإبادة في غزة الوجه الحقيقي البشع للغرب ومدى عنصريته ونظرته الاستعلائية إلى الشعوب العربية والإسلامية، ولم يغيّر قادة الغرب موقفهم العنصري إلى حدّ الساعة، ولا يزالون يكيلون بمكيالين حينما يتعلق الأمر بالفلسطينيين والأوكرانيين مثلًا؛ فقد سكتوا تماما عن آلاف المجازر التي اقترفها الاحتلال ضد الفلسطينيين، في حين إنهم وقفوا وقفة رجل واحد مع أوكرانيا، منذ بداية الحرب الروسية عليها في فبراير 2022 وندّدوا بذلك الغزو، وقدّموا دعما هائلا لأوكرانيا بالمال والسلاح والإعلام والدبلوماسية… ولا يزال هذا الدعم متواصلا إلى اليوم.
ومع أنَّ ما تحدَّث عنه حسام حسن ليس جديدًا، إلا أنَّ التذكير به في مثل هذه المناسبة كان لفتة بالغة الذكاء، ولو أطلق هذا التصريح قبل شهرين أو ثلاثة مثلًا، في خضمِّ الاستعدادات لكأس العالم، لما اكترث به أحد، ولما لقي صدى عالميا واسعا كالذي لقيه حينما اختار هذا التوقيت الحسّاس لإطلاق هذا التصريح المثير، فالإعلام العالمي كلّه كان ينقل ندوته الصحافية، قبل بدء مباراة مصر مع الأرجنتين، فكان تصريحه أقوى بكثير من تصريحات قادة وساسة كثيرين…
ما قاله حسام حسن هو موقفٌ مشرِّف سيُكتَب بحروفٍ من ذهب في تاريخه، فقد نصر المستضعَفين الفلسطينيين الذين يتعرَّضون لتهميش العالم ومعاييره المزدوجة، وندّد بهذا الظلم علنًا… واللافتُ، أنّ الاتحاد المصري لكرة القدم قد مدَّد عقده مع المنتخب ليقوده في المراحل القادمة أيضا، وهذا لا يحدث في دول “التطبيع” العربي دائما؛ فقد استبعدت المغرب اللاعب حكيم زيّاش من المنتخب، لأنّه رفع راية فلسطين في كأس العالم 2022 بقطر، وقاد رفاقه في المنتخب إلى الاقتداء به، كما أطلق بعدها عدّة تصريحات تنتقد جرائم الاحتلال في غزة وتنتقد أيضا تطبيع المغرب مع هذا الكيان الفاشي المجرم الذي يقتل الأطفال والنساء بغزة، فانتقم منه المخزن بإبعاده عن المنتخب برغم الإضافة التي قدّمها له كلاعب مهاري قاد منتخب بلاده إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 بقطر، أما مصر فاختارت تجاهل الانتقادات الصهيونية لرفع مدرِّبها حسام حسن راية فلسطين عقب مباراة أستراليا وإهداء الفوز للفلسطينيين ثم تصريحه المنتقِد لصمت العالم ومعاييره المزدوجة، قبل مباراة الأرجنتين، واختار تجديد الثقة به.
حدث هذا لأنّ مصر طبَّعت لاسترجاع سيناء، واكتفت بهذا “التطبيع الفوقي” بين النظامين في 1978، ولم تسعَ إلى إقناع الشعب بالتطبيع مع الاحتلال والمستوطنين، ولم تغرق في إبرام عشرات اتفاقيات التعاون الاقتصادي والثقافي والتربوي والعسكري والأمني معه كما فعلت المغرب والإمارات العربية اللتان انتقلتا من التطبيع إلى التصهيُن، لذلك رحبّ الكثيرُ من المصريين بما فعله حاسم حسن وما صرّح به، وجدّد له الاتحاد المصري لكرة القدم عقدَه، في حين كان مصير زياش الإقصاء والتهميش في المغرب، فشكرًا لحسام حسن وقبله غوارديولا وكلّ شرفاء العالم الذين انتقدوا جرائم الاحتلال بصوت عال من دون أن يكترثوا بما يمكن أن يجرّه عليهم ذلك من عداوات وعراقيل وأذى في هذا العالم الظالم المنحاز إلى الاحتلال.