الجزائر
النيابة تلتمس 4 سنوات في حق المتهمين... والمحاكمة تكشف التفاصيل:

شهادات عن الجمعة السوداء لسقوط “حافلة وادي الحراش”

نوارة باشوش
  • 2787
  • 0
ح.م

القاضي: تريدون حصر الحادث المأسوي في “الحفرة”
المتهمون: حاولنا إنقاذ الركاب لكن إرادة الله أقوى

التمس وكيل الجمهورية لدى محكمة الجنح للدار البيضاء، الأحد 8 مارس الجاري، 4 سنوات في حق المتهمين المتابعين في حادثة “سقوط حافلة في وادي الحراش”، أسفر عن مقتل 18 شخصا واصابة 23 آخرين.
وفي التفاصيل، فقد طالب ممثل الحق العام بتوقيع عقوبة 4 سنوات و200 ألف دينار جزائري، مع تعليق رخص السياقة، ويتعلق الأمر بكل من صاحب المركبة “ح. رفيق” وسائق الحافلة المتهم “د. حمزة” والقابض “هـ. نور الدين” إلى جانب المراقب التقني المتهم “ب. جلال”، بينما تقرر تاريخ الأحد 15 مارس الجاري موعدا للنطق بالأحكام الإبتدائية.

القاضي وجها لوجه مع المتهمين… هذه هي أسباب سقوط الحافلة !
وقبل ذلك افتتحت، صباح الأحد بمحكمة الدار البيضاء بالعاصمة، جلسة محاكمة المتهمين في ملف “سقوط حافلة في وادي الحراش”، وهي القضية التي هزّت الرأي العام بعد الحادث الأليم الذي وقع بمنطقة المحمدية، حين انحرفت حافلة لنقل المسافرين عن الجسر وسقطت في الوادي، مخلفة حصيلة ثقيلة تمثلت في 18 قتيلا و23 جريحا.
ومثل أمام هيئة المحكمة أربعة متهمين، يتواجدون رهن الحبس المؤقت، لمتابعتهم عن وقائع هذا الحادث المأساوي الذي أعاد إلى الواجهة ملف حوادث النقل الجماعي وظروف استغلال الحافلات. وشهدت قاعة الجلسات حضورا لافتا لعائلات الضحايا والجرحى الذين قدموا لمتابعة أطوار المحاكمة، في أجواء طبعها التأثر والترقب لما ستسفر عنه مجريات القضية.
شرع القاضي في حدود الساعة 11:43 صباحا، في المناداة على المتهمين والأطراف المدنية، وسط حضور مكثف لعائلات الضحايا الذين فقدوا ذويهم في الحادث المأساوي.
وبمجرد افتتاح الجلسة، خيّم الصمت على قاعة المحكمة، بينما كانت العيون شاخصة نحو منصة العدالة مع بداية الاستماع إلى المتهمين، حيث تمسك هؤلاء بإنكار التهم الموجهة لهم، بينما واجههم القاضي بالتهم المنسوبة إليهم، ويتعلق الأمر بتهمة القتل الخطأ والجرح الخطأ وتعريض حياة الغير وسلامتهم الجسدية للخطر بالنسبة إلى السائق وقابض التذاكر، كما شملت المتابعة المراقب التقني بتهم تحرير شهادة تتضمن وقائع غير صحيحة، وتعريض حياة الغير للخطر والانتهاك المتعمد لقواعد السلامة، في حين وُجهت لمالك الحافلة تهمة تعريض حياة الغير للخطر بسبب استعماله محضر مراقبة تقنية يتضمن وقائع غير صحيحة.

” الحفرة” هي السبب في سقوط الحافلة…!
وكانت بداية الاستجواب بسماع اقوال القاضي لأقوال المتهم الأول المالك الأصلي للحافلة المدعو “ح. ر”، الذي كان أول من مثل أمام هيئة المحكمة، حيث واجهه القاضي بالتهم المنسوبة إليه، إلا أن هذا الأخير أنكرها جملة وتفصيلا، حيث نفى وجود اي اعطاب تقنية بمركبته، موضحا أن الحافلة خضعت قبل يومين فقط من الحادث للمراقبة التقنية على مستوى مديرية النقل لولاية الجزائر، إذ توصلت الخبرة التقنية حسب المتهم إلى ان المركبة سليمة.
وعاد إلى التفاصيل التي سبقت الحادث، قائلا أنه كان يتولى مهمة سياقة الحافلة طيلة الأسبوع، غير أنه توقف بعد إصابته على مستوى الرجل وسلم الحافلة للسائق، مستندا في أقواله إلى ملف طبي لإثبات تصريحاته، قبل ان يقاطعه القاضي بخصوص الوضع التقني للمركبة، قائلا: “أن الرقابة العينية التي خضعت لها الحافلة من قبل خبراء المعهد الوطني للأدلة الجنائية وعلم الإجرام للدرك الوطني أظهرت عدة مخالفات عمدية، منها عدم الالتزام بواجبات السلامة والاحتياط، إضافة إلى الحمولة الزائدة وغير القانونية، كما توصلت الخبرة التقنية والفحص الميكانيكي إلى أن السبب المباشر للحادث هو توقف نظام التوجيه بفعل خلل في مفصل التوجيه، وهو الأمر الذي أعاق حركة المنظومة بالكامل”.
كما كشف الاستجواب أن الحافلة كانت تعاني من أعطال أخرى، منها نقص الصيانة، ومشاكل على مستوى علبة التوجيه، وضعف منظومة الفرملة، حيث تبين أن فرامل اليد معطلة تماما، وهو ما حال عن التوقف الاضطراري.
وخلال توجيه سؤال للمتهم بخصوص قرار توقيف صادر عن مديرية النقل بسبب عدم تصليح زجاج المركبة، أجاب المدعو “ح. ر” بأن الملف كان كاملا، وأن الأعطال ظهرت بعد الحادث، ورد أن المراقبة التقنية أثبتت أن الحافلة سليمة، ولو كان عكس ذلك “لما تحصلت على رخصة من قبل مديرية النقل للمركبة بالسير”.
من جهته، أنكر المتهم الثاني “د.حمزة”، ويتعلق الأمر بالسائق، حيث تمثلت التهم الموجهة إليه في القتل الخطأ والجرح الخطأ وتعريض حياة الغير وسلامتهم الجسدية للخطر، وسرد للقاضي تفاصيل الحادث قائلا: “سيدي الرئيس، انا كنت موظفا بشركة اكسترانت، وبعدها توقفت عن العمل من سنة 2012 الى غاية 2016، وكنت المعيل الوحيد لعائلتي، وحاولت مرارا وتكرارا إيجاد وظيفة، لكن لا حياة لمن تنادي، وبعدها اتصل بي، رفيق، صاحب الحافلة، حتى اعمل كسائق ونعاون روحي سيدي الرئيس”.
وأردف المتهم قائلا: “سقت الحافلة مرتين فقط، في المرة الأولى كانت الرحلة عادية، ولكن في المرة الثانية، أين قمت بحوالي 3 رحلات والرحلة الأخيرة المتوجهة من الرغاية الى الجزائر وسط، حدث ما لم يكن في الحسبان، حيث انه وعند وصولنا إلى الجسر الواقع فوق وادي الحراش هناك وجدت نفسي في ورطة بسبب الحفرة الكبيرة والتشققات الموجودة في ذلك الطريق، إذ حاولت تفادي الحفرة الكبيرة، انعرجت اتجاه الحاجز الحديدي، ظنا مني أنه سيمنعني من الكارثة المنتظرة، لكن في تلك اللحظة سمعت شيئا ما تحت العجلة من ناحية اليمين وبعدها أدركت أننا في خطر وحاولت أن ألقى مخرجا، لكن نظام التوجيه توقف تماما، وبقيت الحافلة معلقة في أعلى الجسر لأجد نفسي والحافلة والركاب داخل الوادي”.
وهنا يقاطعه القاضي “يعني تريد أن تبرر وتحصر الحادث الكارثي في الحفرة، لكن تمهل من فضلك، فهناك شهود أدلوا بشهادتهم عند قاضي التحقيق، انك كنت تسير بسرعة”.
المتهم: لا سيدي الرئيس، لم أكن أسير بسرعة، بل بالعكس.
القاضي: يعني تريد أن تقول انك لم ترتكب اي خطأ؟
المتهم: لا والله ما درت “غلطة”.
القاضي يواجهه قائلا “هل تحوز على شهادة الكفاءة المهنية…؟، ليرد عليه المتهم “ما زال… لا أحوز عليها”، ليوضح له القاضي “هذه الوثيقة ملزمة عند سائقي أصحاب النقل الجماعي”.
القاضي يسأله مجددا: وماذا عن الحمولة الزائدة؟
المتهم: لا اتحمل مسؤولية ذلك.
القاضي: لكن انت ملزم بضمان سلامة الركاب وهذا يبقى على عاتق السائق، فأنت لا تسوق الدراجة، بل حافلة وفيها أرواح أشخاص.
المتهم ينفجر بالبكاء ويوضح للقاضي قائلا “سيدي الرئيس، انا ايضا وقعت في الوادي وأصبت في ظهري، وانا حاليا أعاني في السجن بسبب الآلام الرهيبة، انا حاولت انقاذهم بكل الطرق، لكن إرادة الله سبقتني والله شاهد على ما اقول… كان بإمكاني أن أنقذ نفسي من خلال فتح الباب والقفز، لكن لم أفعل ذلك، بل فضلت انقاذ ارواح الناس، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن”.
وبالمقابل، نفى قابض الحافلة المتهم “هـ. نصر الدين” الحمولة الزائدة وقال إنهم احترموا قدرة الاستيعاب وأن السبب الذي أدى إلى هذه الحمولة يعود إلى تعطل إحدى الحافلات بديار الخمسة، مما ألزمهم بنقل المسافرين، خاصة أن الوقت كان متأخرا.
وتابع “السائق حاول تجنب الحفرة والهروب نحو الحاجز الحديدي للجسر، لكن نظام التوجيه توقف تماما لأسمع مباشرة السائق يصرخ قائلا “الله اكبر… الله اكبر، لتسقط الحافلة التي كانت معلقة لمدة قصيرة داخل الوادي”.
أما المراقب التقني، فقد اكتفى خلال رده على أسئلة القاضي أنه قام بمهمته وفقا للقانون الساري المفعول، وأنه لم يكن هناك تزوير لأي وثيقة، لأنه فعلا لم يتم تسجيل اي خلل تقني ولم يتستر على أي اعطاب أو عيوب، مشددا أن جميع الأعطاب المسجلة جاءت بعد سقوط الحافلة.

الضحايا يروون تفاصيل الحادث
وتواصلت الجلسة، وسط اهتمام شديد من قبل عائلات الضحايا التي حضرت لمتابعة تفاصيل المحاكمة، قبل ان يشرع القاضي في سماع تصريحات الضحايا الذين نجوا بأعجوبة من الحادث والذين استرجعوا ذكريات سوداء عادت بأذهانهم إلى التاريخ المشؤوم، وكأنهم يعيشون الحادث من جديد، يعيدون للذاكرة كل لحظة من الرعب والمعاناة التي عاشوها، فيما لم تستطع بعض عائلات الضحايا كتم دموعها، وهم يستمعون لتفاصيل الكارثة التي تركت ندوبا في قلوبهم.
وفي هذا السياق، استرجع الضحايا أثناء مثولهم أمام القاضي بصفتهم اطرافا مدنية تفاصيل اليوم الأسود بعد مرور أزيد من خمسة أشهر، كما لو أن عجلة الزمن أعادتهم إلى لحظة وقوع الحادث، وتذكروا كل تفاصيل المأساة في وادي الحراش، وسط صمت ثقيل خيّم على الجلسة، وارتسم المشهد مجددا داخل القاعة وسط تأثر شديد من قبل الحاضرين.
وروى أحد الضحايا بصوت مرتجف اللحظات الأخيرة داخل الحافلة قبل سقوطها بالوادي، حيث كشف الأخير أنه كان يتحدث حينها عبر الهاتف بشكل عادي، قبل أن تنقلب إلى كابوس… لحظة خاطفة وجد نفسه وسط المياه الملوثة بعد سقوط الحافلة، عاجزا عن استيعاب ما حدث، واضاف أن الصرخات الفوضوية للركاب، ومحاولات النجاة اختلطت بالخوف والهلع وعجزهم عن التمسك بالحياة.
ضحية آخر كان يجلس بالمقعد المتواجد خلف السائق، روى هول ما شاهده بعد ما تغير كل شيء فجأة، حين سمع السائق يصرخ “الله أكبر”، لتدخل الحافلة كلها في لحظة من الذعر الهائل، وأضاف أن الركاب شعروا بأن الرحلة العادية تحولت إلى كابوس حقيقي، وأن الانحراف المفاجئ للحافلة عن المسار جعل الجميع عاجزا عن أي رد فعل.
أما الراكب الذي جلس خلف السائق مباشرة، فقدّم شهادة مؤثرة للغاية، مؤكدا أنه رأى السائق يحاول يائسًا السيطرة على المركبة، وهو يحرك المقود يمينا ويسارا في محاولة أخيرة لتصحيح المسار قبل ان يفشل في ذلك وتهوى بهم في قعر “وادي الحراش”.

مقالات ذات صلة