منوعات
شير فريك يوثّق سيرته من الثورة إلى الزهد في كرسي المرادية

شهادات غير مسبوقة حول حياة الرئيس زروال وعهده

الطاهر حليسي
  • 617
  • 0

يعود الوالي السابق بشير فريك، الذي خاض تجربة صحفية، إلى شغف الكتابة من جديد، مستنطقًا سيرة الرئيس اليامين زروال ومواقفه، عبر رحلة بحثية شيقة بذل فيها جهدا مضنيا لاقتفاء آثار رئيس حظي، ولا يزال يحظى، بتقدير واسع لدى الجزائريين، لما ارتبط باسمه من مواقف وخيارات خلال مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.

ويكشف كتاب «الرئيس اليامين زروال: مسيرة وقدوة» عن سيرة صيغت وفق مقاربة توثيقية تسعى إلى الموضوعية، وهو ما يتضح من خلال صفحاته الـ325، الصادرة عن دار الأمة، بتقديم من الدكتور عمار طالبي. ويعتمد المؤلف أسلوبًا منهجيًا يستند إلى الشهادات والتحري، بعيدًا عن إطلاق الأحكام من دون أدلة.

ويوضح فريك منهجه منذ البداية، قائلًا: «لقد اعتمدت منهجية البحث والتحري عن مسيرة ومسار المرحوم، انطلاقًا مما أعرفه عنه من بعض أبناء عمومته بباتنة، وما سمعته عنه من كبار الضباط الذين عايشوا مسيرته، لا سيما منذ استرجاع السيادة الوطنية، ثم ما أعرفه شخصيًا عنه، خاصة خلال سنوات الدم والدموع، 1993 و1994، بين وزارة الدفاع الوطني، ثم رئاسة الدولة، فرئاسة الجمهورية، حيث كنت آنذاك في موقع المسؤولية واليًا في ولايات جيجل ووهران وعنابة، وعايشت الكثير من أعماله الجليلة لنزع فتيل الفتنة، بمحاورة من هم على استعداد للحوار، ومواجهة الخارجين عن القانون من الجماعات الإرهابية».

شهامة ابن النمامشة

في توثيقه لأصول عائلة الرئيس زروال، عاد بشير فريك إلى أقارب الرئيس لحسم ما شاع طويلًا بشأن انتماء العائلة إلى قبيلة بني ملول. ويصحح الكتاب هذه المعلومة، استنادًا إلى شهادة عمه الحاج بلخير زروال، الذي أكد أن العائلة تنحدر من عرش النمامشة بمنطقة بابار، جنوبي خنشلة. كما كشف ابن عمه عبد الحفيظ زروال أن لقب العائلة استُحدث على يد أحد الأجداد هربًا من ملاحقات السلطات الاستعمارية، فيما كان لقبها الأصلي صحراوي.

ويذكر الكتاب أن اليامين زروال التحق بصفوف الثورة التحريرية سنة 1957 طوعًا، وتكفّل الكومندان موسى حليس بتجنيده، رغم أنه لم يكن يتجاوز السادسة عشرة من عمره. ومكث عدة أشهر في جبال الشلعلع بناحية كوندورسي، قبل إيفاده إلى الحدود الشرقية، ثم إلى تونس فمصر والأردن، لمتابعة تكوين عسكري في كلية حربية، بعدما لفت الانتباه بنباهته وانضباطه.

وينقل المؤلف، استنادًا إلى شهادات مقربين من العائلة ومجاهدين، أن العقيد الحاج لخضر تحفّظ على تجنيده بسبب صغر سنه، خاصة بعد إصابته بالتواء في الكاحل، وطالب بإعادته إلى أهله. غير أن افتضاح أمره لدى السلطات الفرنسية، التي حاصرت منزل عائلته وتعاملت بخشونة مع عمه، جعل إعادته إلى محيطه العائلي محفوفة بالمخاطر.

وكان زروال قد أخذ مبلغًا ماليًا وصكين وآلة راقنة من مكتب مشغّله اليهودي علوش، الذي كان يدير مكتبًا للمحاسبة المالية بباتنة، في خطوة عدّها عربونًا على انخراطه في الثورة واختبارًا للنوايا.

لكن اختبار النوايا هذا كشف عن موقف أخلاقي لافت، ينقله فريك عن العقيد المجاهد عبد الحميد مزاحم، مدير الديوان لدى وزير الدفاع وأمين السر الشخصي لزروال. فقد روى له مزاحم أن الثوار طلبوا من زروال اغتيال علوش بمسدس سلّمه له موسى حليس، لكنه رفض رفضًا قاطعًا تنفيذ العملية، واقترح الاستعاضة عنها بأخذ الأموال والآلة الراقنة، معلنًا أنه لا يستطيع قتل رجل فتح له مكتبه لكسب قوته، وعلّمه أصول مهنة المحاسبة في تلك السنوات القاسية.

مدفعية الثورة

تلقّى زروال، سنة 1958، تكوينًا في سلاح المدفعية بالأردن، رفقة ثلّة من الضباط الأوراسيين، وجاء في المرتبة الأولى ضمن دفعته، قبل أن يُكمل هؤلاء تكوينهم العسكري في المدرسة الحربية المصرية، إلى غاية سنة 1961.

وبعد عودته إلى الحدود التونسية، وتحديدًا إلى مركز ملاق، واجه زروال ورفاقه، حسب رواية العقيد محمود ملاوي، حملة تشويه وإنكار شنّها ضباط فارّون من الجيش الفرنسي، بدعوى ضعف تكوينهم العسكري باللغة العربية. واضطر زميله عيسى بخوش إلى مراسلة العقيد هواري بومدين للتشكي من هذه الحملة المغرضة، ما دفع بومدين إلى معالجة المسألة بدهاء وحنكة، من خلال تنظيم رمي مدفعي تدويري تشارك فيه المجموعتان أمام لجنة تقييم.

وأسفرت التجربة عن تفوق مجموعة زروال في إصابة الأهداف مقارنة بنظرائهم من الفارّين من الجيش الفرنسي. وشارك زروال، خلال السنة نفسها، في عملية قصف استهدفت مواقع فرنسية على خطي موريس وشال، وامتدت من أقصى الحدود الشرقية إلى التخوم الجنوبية، وشكّلت سابقة في تاريخ الثورة الجزائرية.

ويعزو الكاتب، نقلًا عن آراء عسكريين، هذا التفوق إلى تنوع التكوين الذي تلقته بعثة الشرق الأوسط، مقارنة بالتكوين ذي النمط الفرنسي الواحد الذي تلقاه الضباط الفارّون من الجيش الاستعماري. فقد أتاح التكوين في الأردن ومصر لأفراد البعثة اكتساب خبرة مزدوجة وفق المدرستين البريطانية والسوفياتية، علمًا أن مدرّبهم في القاهرة كان اللواء محمد عبد الحليم أبو غزالة، الذي تولّى لاحقًا منصب وزير الدفاع المصري.

عملية العاصفة المرعبة

عقب الاستقلال، وجد الضابط الشاب، وهو في الثانية والعشرين من عمره، نفسه في خطوط الدفاع الأولى عن التراب الجزائري، في مواجهة العدوان المغربي. وشارك بخبرته في المدفعية خلال حرب الرمال سنة 1963.

وبفضل أدائه العسكري، ترقّى من رتبة ملازم، وتدرّج من قيادة فيلق ببرج لطفي إلى قيادة وحدة مدفعية ببشار، ثم تولّى رئاسة مدرستي المشاة بباتنة وتلاغمة، قبل أن يتولى قيادة ثلاث نواحٍ عسكرية.

وينقل الكاتب شهادة اللواء عبد العزيز مجاهد بشأن واقعة تعود إلى سنة 1985، حين كان اليامين زروال قائدًا للناحية العسكرية الثالثة. فقد رصدت وحدات عسكرية مغربية، بحسب الشهادة، اجتيازًا دوريًا لموقع جزائري يُسمّى عش الغراب. فأنذر زروال الجانب المغربي بضرورة وقف تلك التجاوزات، لكن استمرارها دفعه إلى تجهيز وحدة عسكرية من النخبة لتنفيذ عملية مباغتة سمّاها «العاصفة المرعبة»، انتهت بأسر أفراد المجموعة المغربية ووضع حد لتلك التجاوزات الحدودية، وفق رواية الشاهد.

وتقلّد زروال رتبة جنرال سنة 1988، ثم تولّى منصب قائد القوات البرية ونائب قائد الأركان. لكنه قرر الاستقالة من منصبه عقب أحداث 5 أكتوبر، احتجاجًا على ما اعتبره معاملة غير لائقة خلال خلافه الشهير مع خالد نزار بشأن مشروع تحديث الجيش وتطويره، في أعقاب الإصلاحات التي أرادها الرئيس الشاذلي بن جديد.

الجنرال وأموال السفارة

ويوضح فريك أن الشاذلي مال في البداية إلى المشروع الذي تقدم به زروال، والقائم على فلسفة عسكرية سوفياتية تعتمد وحدات خفيفة وسريعة الحركة ومرنة، ولا تتطلب ميزانيات ضخمة للتجهيز. في المقابل، استند مشروع نزار إلى ثقافة عسكرية فرنسية تعتمد الفرق الكبيرة والأعداد المرتفعة من الأفراد والاعتمادات المالية الضخمة.

ويورد الكاتب أن خالد نزار لوّح بالاستقالة عندما علم بميل الشاذلي إلى مشروع نائبه، ما دفع الرئيس إلى العدول عن موقفه، رغم محاولات التوصل إلى صيغة توافقية بين المشروعين. وانتهى الاجتماع الذي خُصص للفصل بينهما بتغليب مشروع نزار، من دون التقيد بالصيغة التوافقية التي جرى العمل عليها، الأمر الذي أشعر زروال بالإحباط والاستخفاف بموقفه، فغادر الاجتماع وقدّم استقالته.

وبعد نحو عام، عيّنه الشاذلي بن جديد سفيرًا للجزائر لدى رومانيا، لكنه سرعان ما استقال من منصبه، مرددًا أمام بعض المقربين منه: «لست مستعدًا لتلقي دولارات مقابل لا شيء».

ولم يتوقف الأمر عند الاستقالة، إذ أعاد زروال ما تبقى من أموال السفارة التي لم تُصرف، في خطوة يصفها فريك بغير المألوفة في السلك الدبلوماسي، ويشير إلى أنها أحرجت بعض المسؤولين، كما أثارت استياء عدد من السفراء الذين اعتبروا تصرفه سابقة قد تحرمهم من الاستحواذ على أموال إضافية من دون وجه حق.

اختار زروال بعد ذلك حياة المواطن العادي في مسكنه ببوزران في باتنة، بعيدًا عن المناصب، قبل أن يعود إلى الواجهة سنة 1993 وزيرًا للدفاع الوطني، في مرحلة كانت الجزائر تواجه فيها تصاعدًا خطيرًا في أعمال العنف.

دور قاصدي مرباح

ويعرض فريك أكثر من رواية بشأن ظروف تعيين زروال. فالعقيد عبد الحميد مزاحم يعزو الأمر إلى الجنرال خالد نزار، الذي كان يشغل موقعًا في المجلس الأعلى للدولة ويتولى وزارة الدفاع. أما وزير المجاهدين الأسبق محمد الشريف عباس، الذي كانت تربطه علاقات وثيقة بعلي كافي، رئيس المجلس الأعلى للدولة خلفًا لمحمد بوضياف الذي اغتيل، فيؤكد أن كافي هو من اقترح زروال على نزار، عقب تعرض الأخير لمحاولة اغتيال فاشلة قرب الأبيار، تحسبًا لأي فراغ قد ينجم عن محاولات أخرى ويترك البلاد في حالة فراغ.

وبحسب هذه الرواية، لم يعارض نزار الاقتراح، رغم اختلاف وجهات نظره مع زروال، بل أقرّ بأن «زروال رجل فحل يمكن الاعتماد عليه».

وقبل عرض وزارة الدفاع عليه، اقترح علي كافي على زروال تولّي منصب الأمين العام برئاسة الجمهورية، لكنه رفض، مفضّلًا المسار العسكري على العمل المدني. أما إقناعه بقبول وزارة الدفاع، فينقل فريك عن مصدر مقرّب جدًا منه أن مدير المخابرات قاصدي مرباح أدّى دورًا بارزًا في ذلك، بعدما اتصل به وحصل على موافقته.

ويحدد المؤلف ثلاثة أسباب رئيسية لتعيين زروال في هذا المنصب: مواجهة الإرهاب، والمبادرة إلى خطوات جريئة في الحوار، وأداء دور محوري في ندوة الوفاق الوطني سنة 1994.

غصن الزيتون والبندقية

في الجانب الأمني، يتناول الكتاب استحداث قوة مساعدة ضمّت مجاهدين ووطنيين ومتطوعين لمساندة مصالح الأمن المشتركة. وينقل فريك عن اللواء أحسن بوغابة أن هذه الآلية مكّنت من تجنيد قرابة 40 ألف عنصر على مستوى الناحية العسكرية الخامسة وحدها، ما ساعد على محاصرة الجماعات الإرهابية في الأرياف.

وبالتوازي مع المواجهة الأمنية، سعى زروال إلى فتح مسار للتهدئة وإحلال السلم الأهلي، مستندًا إلى الحوار مع الأطراف المستعدة له. وينقل الكاتب عن النائب العسكري بلقاسم بوخاري مقولة لزروال تعكس إصراره على وقف نزيف الدم: «إني مستعد للمجيء زحفًا من العاصمة إلى البليدة، رغبةً وسعيًا مني لوقف نزيف دماء الجزائريين».

وكان زروال يسعى إلى نزع الغطاء السياسي عن الجماعات الإرهابية، عبر الحصول على موقف واضح من قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وفي هذا السياق، زار عباسي مدني وعلي بلحاج ثلاث مرات في سجن البليدة، واتخذ إجراءات لتحسين ظروف إقامتهما، من بينها توفير مصلى وتلفزيون وصحف يومية. كما أطلق سراح مجموعة من قياديي الجبهة الإسلامية للإنقاذ، في خطوة هدفت إلى إرسال رسالة تهدئة وتهيئة مناخ من الثقة لبدء مسار الحوار.

غير أن علي بلحاج اتخذ موقفًا متصلبًا، قبل أن تقوّض تلك المساعي رسالة منسوبة إليه، أشادت بالإرهاب وعثرت عليها مصالح الأمن بحوزة الأمير شريف قوسمي، بحسب رواية الكتاب.

وفد لإقناع بوتفليقة

مع استمرار الأزمة الأمنية، اتجهت السلطات الجزائرية إلى خيار عبد العزيز بوتفليقة لتولّي رئاسة الدولة في ختام الندوة الوطنية سنة 1994. ويورد فريك أن زروال، بصفته وزيرًا للدفاع، استقبل بوتفليقة وتفاوض معه بشأن إدارة المرحلة الانتقالية. ووافق الأخير قبل أن يتراجع عن قراره، إثر نصيحة من أحمد بن بلة أقنعته بالرفض، ثم سافر إلى سويسرا، تاركًا المسؤولين في حيرة، بحسب رواية خالد نزار.

وفي تلك الأثناء، اتصل العقيد عبد الحميد مزاحم بزروال، بصفته رئيس ديوانه، وأبلغه بقدومه إلى نادي الصنوبر لتسليمه البيان من أجل عرضه على الرئيس المنتظر. لكن زروال رد عليه: «لا داعي للحضور إلى قصر الأمم، فكل شيء تغير، فالحكاية دارت وراحت لرأسي».

وحاول زروال ثني بوتفليقة عن قراره الرافض، فزاره في داره مرتين؛ الأولى برفقة الجنرال توفيق، والثانية برفقة الوزير المجاهد وعضو مجلس الثورة في عهد بومدين، شريف بلقاسم. لكنه لم ينجح في إقناعه، لتنتهي التطورات بتولّي زروال رئاسة الدولة بإلحاح من أقطاب المؤسسة العسكرية.

ويستعرض فريك مواقف زروال الخارجية خلال رئاسته للدولة، ومنها رفضه لقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، بسبب رغبة الأخير في عقد اللقاء بعيدًا عن الأنظار والصحافة والبروتوكول. فردّ زروال: «لن ألتقيه لا في السر ولا في العلن».

كما يتناول موقفه الحازم من الملك المغربي الحسن الثاني، من خلال إغلاق الحدود احتجاجًا على طرد الجزائريين وفرض التأشيرة، عقب أحداث فندق مراكش أسني.

دموع رجل الدولة

وينقل الكتاب شهادة مؤثرة يرويها اللواء الراحل محمد بكوش، عن بكاء زروال عشية إقناعه بالترشح للانتخابات الرئاسية، رغم رفضه خوض التجربة السياسية، إذ كان يردد باستمرار أنه عسكري بالدرجة الأولى، وليس سياسيًا.

ومع ذلك، يكشف فريك أن الرجل أظهر عقلية رجل دولة من خلال قرارات وإصلاحات شملت إنهاء العمل بالمحاكم الخاصة وإغلاق معتقلات الصحراء، وسنّ قانون الرحمة، والاعتراف بالأمازيغية عبر تأسيس المحافظة السامية للأمازيغية وإقرار تدريسها خلال الموسم الدراسي 1995-1996.

كما كرّس زروال، من خلال الدستور الذي قُدّم في عهده، بصفته رئيسًا منتخبًا، جملة من الآليات والمؤسسات، من بينها التداول على السلطة وتحديد العهدات الرئاسية، ووضع آليات لمحاكمة رئيس الجمهورية، وإنشاء وسيط الجمهورية ومجلس الأمة، إلى جانب إحياء قانون التعريب وتأسيس المجلس الأعلى للتربية.

ويسلّط بشير فريك، في شهادته عن مرحلة حكم الرئيس اليامين زروال، الضوء على واحدة من أبرز صراعات السلطة في الجزائر خلال سنة 1998، والمتعلقة بالجنرال محمد بتشين، الذي عيّنه زروال سنة 1994 مستشارًا خاصًا للشؤون الأمنية والسياسية برئاسة الجمهورية، مستفيدًا من خبرته السابقة على رأس المخابرات ومن علاقة الصداقة بينهما.

صراع الديكة

ويكشف فريك عن تحذيرات ونصائح أطلقها الجنرال خالد نزار بشأن تعيين بتشين في هذا المنصب، خشية انعكاس ذلك سلبًا على الرئيس. كما ينقل عن أحمد أويحيى وصفه بتشين بأنه «الرئيس المكرّر»، في إشارة إلى اتساع نفوذه داخل مؤسسات الدولة، من الإدارة والولاة إلى البنوك والقضاء والإعلام العمومي.

وتعزّز هذا النفوذ، وفق رواية الكتاب، بعد تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي في فيفري 1997، بوصفه بديلًا سياسيًا لجبهة التحرير الوطني، عقب رفض السلطة مبادرة سانت إيجيديو. وكان بتشين من أبرز الوجوه المرتبطة بالتشكيلة الجديدة، خاصة بعدما أصبح عضوًا في المكتب، فيما تُرك منصب رئاسة الحزب شاغرًا، وأُسندت الأمانة العامة مؤقتًا إلى الطاهر بن بعيبش.

وينقل فريك شهادات عن حجم التوتر الذي عاشه زروال بين رئيس حكومته أحمد أويحيى ومستشاره محمد بتشين. فقد كان الأول يشكو تدخلات المستشار في عمل الحكومة، بينما اتهم الثاني رئيس الحكومة بعرقلة تنفيذ المشروع الرئاسي.

كما يتناول الكتاب الحملة الإعلامية التي قادها نور الدين بوكروح ضد بتشين، خصوصًا خلال صيف 1998، من خلال مقالات تناولت قضايا الفساد المالي وفيلات موريتي.

ويعرض فريك الشائعات التي رددها الرأي العام بشأن تورط الجنرال توفيق في تحريض بوكروح على المستشار الرئاسي. غير أن المؤلف ينقل شهادة حاسمة عن رئيس حزب التجديد جيلالي سفيان، الذي نفى تورط رئيس المخابرات في التحريض، مؤكدًا أن الجنرال توفيق استدعى بوكروح وطلب منه الكف عن حملته ضد بتشين، حفاظًا على مؤسسات الدولة من البلبلة.

ويكشف فريك أن بتشين طلب من ولاة مقرّبين منه إعداد تقارير وشكاوى بشأن عراقيل قال إنها تعترض مشاريع زروال التنموية بسبب رئيس الحكومة. ويذكر أن الجنرال طرح عليه هذه الفكرة خلال خيمة عزاء في عزابة، في أفريل 1998، على هامش تشييع العقيد المجاهد علي منجلي، ضمن مسعى للضغط على الرئيس من أجل إقالة أويحيى.

وانتهى الصراع بتنحي بتشين عن منصبه في أكتوبر 1998، وسط صراع إعلامي تزامن مع قضية وزير العدل محمد أدمي. وبعد ذلك، أعلن زروال عزمه إنهاء عهدته الرئاسية قبل أوانها وتنظيم انتخابات مسبقة، رافضًا مقترحًا من الفريق محمد العماري يقضي باستقالته مقابل إكمال الرئيس عهدته حتى نهاية ولايته سنة 2000.

إبلاغ العائلة بقرار المغادرة قبل 12 شهرًا

ويعرض الكتاب هذه الوقائع بوصفها صورة عن صراع أجنحة داخل السلطة، بعدما أثار اتساع نفوذ مستشار الرئيس مخاوف من اختلال توازن القوى، وسط ما يورده المؤلف بشأن طموح بتشين إلى منصب رئيس الجمهورية. وانتهت تلك المرحلة بقرار زروال مغادرة الرئاسة قبل نهاية عهدته.

لكن فريك يقدم تفصيلًا مهمًا نقله عن مصدر مقرّب من عائلة الرئيس، مفاده أن زروال جمع أفراد عائلته الصغيرة في باتنة، قبل عام من تقليص عهدته الرئاسية، وأبلغهم بقراره النهائي الانسحاب من السلطة، قائلًا لهم: «حضّروا أنفسكم كي أكون معكم نهائيًا هنا في باتنة بعد عام».

وتشير هذه الشهادة إلى أن قرار تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة، التي لم يكن زروال يعتزم الترشح لها، لم يكن مرتبطًا بالضرورة بالحملة التي استهدفت بتشين، ما دام قرار الانسحاب قد سبقها بعدة أشهر.

وقبل سنوات طويلة، سعى بشير فريك، عبر وسطاء كانوا يترددون على بيت زروال، إلى إقناعه بكتابة مذكراته، لكن الرئيس ظل يرفض ذلك بحزم. ولم يعرف فريك مبرر هذا الرفض إلا بعدما أطلعه نجل زروال على أن والده لا يريد تعقيد الأوضاع إذا كشف الحقائق كاملة.

ويشاء القدر أن يكتب فريك كتابًا عن الرجل الذي بدأ مسيرته الثورية بموقف أخلاقي نبيل، وغادر السلطة قبل انقضاء عهدته، لينهي رحلته بجنازة مهيبة ووصية بدفنه في باتنة، إلى جوار والده أحمد زروال.

مقالات ذات صلة