-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

شهادة العبور والإقامة

عمار يزلي
  • 878
  • 0
شهادة العبور والإقامة

تنطلق امتحانات البكالوريا لهذه السنة في ظلّ تحولات كبيرة وعميقة على المستويات كافة، وطنيا ودوليا، مما يرفع تحدي التنظيم والاستحقاق إلى درجات عليا، وهذا على اعتبار أن عتبة البكالوريا لا تشكل فقط استحقاقا تربويا لنهاية سنوات التعليم ما قبل الجامعي فحسب، بل عتبة وجسرا مفصليا نحو الانتقال إلى درجة تكوين عُليا تكفل للتلميذ حجز مقعدٍ في الجامعة، سواء من أجل الحصول على شهادة عليا تضمن له استقرارا نهائيا أم تفتح له مجال مواصلة البحث عبر التعليم العالي، قد توصله إلى ما بعد التدرُّج، ليُفتح له المجال واسعا أمام الإبداع والتطوير البحثي والاختراع.

التلميذُ اليوم المقبل على امتحان البكالوريا، يواجه عدة تحديات متغيِّرة كل سنة وكل جيل: تحدي النجاح والقبول الجامعي، وتحدي الحصول على وظيفة ومهنة واختيار موفق في التخصص الذي يرغب فيه. تحدي النجاح والفشل لدى التلميذ، هو متلازمة تربوية نجدها في كل الأنظمة التربوية، خاصة تلك التي تضيق فيها الخيارات، ويكون فيها خلاص الجامعة والوظيفة العليا والسامية، خيارا مصيريا.

الخوف والتخوف من الفشل وما ينجم عن ذلك من ضغوط على التلميذ، سواء من طرف الوالدين خصوصا، ثم ضغط السُّمعة والخوف من الهزيمة، في مجتمع لا يحب الهزيمة ويخشاها بشكل غير طبيعي، لِما عاشه من تجارب الفشل في الأسرة والحياة الاجتماعية، يضاعف من الخوف ومن الانقباض قبل الامتحان وفي أثنائه وبعده في انتظار النتائج. هذا أمرٌ طبيعي نجده في كل التجارب وفي كل البلدان، لاسيما البلدان التي تعرف ضغوطا اقتصادية واجتماعية.

البكالوريا، ليست مجرد جسر عبور، بل تأشيرة ورخصة وشهادة إقامة قد تكون دائمة، لهذا فهي تستقبل على هذا النحو من الأهمية والانتظار والرجاء والأمل. لهذا أيضا، ولمصيرية الشهادة، ضمن مسار تربوي لا يزال يبحث عن تفرُّعات مهنية وتكوينية لِما قبل الجامعة، في مجال التكوين المهني للتقنيين والتقنيين السامين والعمال المكوّنين، كما هو الشأن في الأنظمة التربوية في دول الاقتصاديات الكبرى والمتطورة. هذا الوضع يسبِّب التوتر والضغط للتلميذ والعائلات وللمنظمين أيضا، ذلك أن الإصرار على النجاح والفوز، الذي هو خاصية إنسانية، يدفع أحيانا نحو استعمال كل الوسائل لأجل عبور الممرّ والوصول إلى الضفة الأخرى، ولو عبر استعمال وسائل غير مشروعة من أجل بلوغ هذا الغاية.

التحدي الآخر أمام ظاهرة البكالوريا، هو تفشي انتشار وسائط الاتصال والذكاء الاصطناعي التي عكَّرت صفو التحصيل الأوَّلي من جهة، وساهمت أحيانا في تشويه الاستحقاق لدى التلميذ ولكن أيضا لدى النظام التربوي ثم الجامعي لاحقا.

ارتفاع نسبة النجاح والفشل في أي دورة أو انخفاضها، يعكس مستوى التكوين والإعداد خلال المراحل السابقة قي الثانوي والإعدادي والابتدائي، ومن ثمّ فامتحان البكالوريا هو استحقاقٌ لنهاية مسار أولي، وفيه وعنده تتجلى قدرة التلميذ على إثبات قدرته على تحصيل تربوي جيد، ناقص أو ضعيف. استحقاق يشترك فيه التلميذ والعائلة والمؤسسة التربوية ككل بأساتذتها وإدارتها من أعلى سلم إلى أبسط درجة في هذا السلم: من واضع للبرامج إلى ملقِّني الدروس ومعدِّيها والمتلقِّين لها.

تنطلق دورة 2026، للبكالوريا، والوضع يتجه نحو شبه استقرار بعد كل ما عرفه هذا الامتحان من شواهد على مختلف أشكال إضعاف قوته ومصداقيته قبل 2020، من تسريبات وغش وتخوف على مسار نحو الحفاظ على مستوى التنظيم والتحصيل وإعطاء الشهادة مكانتها وسمعتها ورفع نسبة نجاح ظلت متأرجحة تبحث عن ثقل وزن وتوازن يكفل لها السمعة والمكانة باعتبارها شهادة تشهد للتلميذ على تفوُّقه المستحق لا المستلَب.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!