الشروق العربي

شهر للنتف والهفّ..واحلف ونحلف !

جمال لعلامي
  • 1120
  • 0

كلما عاد شهر رمضان المعظم، تستيقظ “لغة الكروش”، وتتفق الحكومة والأحزاب ومعهما المجتمع، وجمعيات حماية المستهلكين، والتجار، على هذه اللغة، الوحيدة التي يفهمها الجميع، ولا يختلفون حول معانيها، ولا يحتاجون إلى قاموس لفك شفرة المصطلحات الغامضة وغير المفهومة.

لعلّ “كبيرة الكبائر”، إن انتهازيين وتجار وحتى مستهلكين، ومعهم أعوان في مصالح المراقبة وقمع الغش، “لا يحللون دراهمهم”، إلا خلال رمضان، متكاسلين نائمين غير آبهين خلال الـ 11 عشر شهرا الآخر، ولذلك يتحركون، كلّ في موقعه، فيكون الشهر ليس للتوبة والغفران فقط، وإنما للنهب وإدخال الأيدي في جيوب المزلوطين  !

الطامة الكبرى أن هؤلاء وأولئك يعتقدون مخطئين، أن رمضان هو الشهر الوحيد “المناسب” لملئ “الشكارة” حتى وإن كان ذلك بالسرقة والتطفيف في الميزان والغشّ والتدليس، ولذلك، يتزاحم “المذنبون” والمتورطون نهارا بالأسواق، وليلا بالمساجد، علهم يمسحون ما تقدم من ذنوب وتأخر منها، ولو بأثر رجعي !

لم يعد رمضان مناسبة تفرمل أولئك الذين “ما يخافوش ربي”، فجحافل الطماعين والمحتالين تتضاعف في هذا الشهر الفضيل، وهذه مصيبة المصائب، التي تضرب القيم والعادات والتقاليد والأخلاق والقانون، في مقتل، وتجعل من الجزائريين هدفا سهلا لبعضهم البعض..كلّ يستبيح جيب الآخر، حسب المناسبة التي تستدعي رفع درجة النصب والنهب !

المصيبة أن السرقة لم تعد تحلو للبعض إلاّ في شهر الصيام والقيام، والكثير من الناس الذين يُدوّخهم الإمساك عن الأكل، يحدث لهم ما حدث لذلك الذي يُحرم أكل لحم الخنزير ويحلّل مرقه و”مصارنو”، ولكم إن تتصوّروا المعاصي التي يسوقها تجار عديمو الذمة، عبر الأسواق والمحلات، بداية من شعبان، فرمضان، وإلى غاية عيد الفطر !

“ألـّي حاب يربح العام طويل”..مثل لم يعد مغريا ومسيلا للعاب ومثيرا للشهية، ولذلك يرفع هؤلاء وأولئك من الذين يعملون بنظرية “ما يقنع ما يشبع”، شعار الربح السريع في شهر تـُصفد فيه الشياطين، لكن للأسف تهرب فيه بالمقابل “شياطين” من نوع آخر، تـُصدر الفتاوى وتحلل ما تشاء وتحرّم ما تشاء، عقيدتها في ذلك مصلحتها وفقط !

حتى الأحزاب والطبقة السياسية والإدارة والعمال والموظفين والمسؤولين، كلّ في منصبه وشغله ومهامه ونشاطه، تتحوّل أغلبيتها إلى النصب والاحتيال، في الشهر الفضيل، إمّا بسرقة الوقت والهروب المبكر من مناصب العمل، وإمّا بمضاعفة “الكذب” على المساكين، وإمّا بتحويل قفة رمضان المخترعة أساسا للمعوزين والمحتاجين والمقهورين !

الذي يسرق قفة رمضان لا يُمكنك أن تأتمنه، وهذا ما يحدث بالدليل والحجة، عبر بلديات تعاني الأمرّين، وقد تحوّلت بسبب “الحقرة” والتهميش والتسيّب واللامبالاة إلى ربوات منسية، ينهشها تنافس سوء التسيير مع تسيير السوء، وبين الخطين المتوازيين، تناقضات واعوجاج و”بريكولاج” و”صابوطاج”، يكشفه رمضان كلما عاد إلينا !

هي أعراض مرضية لداء تحوّل والعياذ بالله إلى وباء ينخر جسد المجتمع، من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، ومن لا يركب الموجة، ومن لا يُعاند ولا يحسد، يصبح واحدا من أولئك المتهمين بأنهم “ما يعرفوش صلاحهم”، وإنهم “جايحين” ولا يتقنون فنون “الشطارة” التي استباحت الأرض والعرض والقرض، وتحوّلت إلى يافطة يحملها كلّ من أراد “النجاح” !

هذه هي “الشطارة”..يمدون أيديهم ويُدخلون حتى “كرعيهم” في بقايا الجيوب المثقوبة للباقي المتبقي من البقية الباقية لبقايا عمل وموظفين، لم يعد همهم سوى انتظار آخر كلّ شهر لتنفس الصعداء، وعندها يطبق بلا تفكير ولا مشاورة مبدأ “الدورو ألـّي يجيبو النهار ياكلو الليل”، والعكس بالعكس صحيح !


لم يعد هؤلاء وأولئك مؤهلين “للتخمام” على بعضهم البعض، فعندما يتحوّل رمضان إلى فرصة للسرقة “الحلال” ويتكاثر في هذا الشهر الفضيل والكريم، الانتهازيين والوصوليين والغمّاسين، فمن الطبيعي أن تتغير واجهات المحلات، ويصبح الميكانيكي “خفافجي”، والطبيب طباخ “زلابية”، والمعلم خضارا، والتقيّ متعهّد حفلات !

الجميع صائم، الكلّ نائم..والجميع يلهث وراء دنانير إضافية تضمن مصاريف عيد الفطر، وبعده فترة العطل الصفية وموسم الأعراس، قبل أن “يزدم” الدخول المدرسي وبعده ببرهة زمن عيد الأضحى وما يتطلبه الكبش من “سرقات” جديدة لضمان أجرته التي تضاهي أضخم أجرة يتقاضاها أهم موظف “كحيان” في الإدارة أو القطاعات الفقيرة !

ستظهر في هذا رمضان، تأثيرات وآثار وسلبيات التقشف الذي يضرب منذ نحو السنة أرزاق وأعناق “الغلابى” بدرجة أكبر، وسيستغلّ “السرّاق” هذا التقشف لرفع امتياز “الهفّ” وضرب المصلي وتارك الصلاة بالكفّ في شهر “أحلف ونحلف” !   

مقالات ذات صلة