صبرا.. وصمة عارهم
في صباح يوم أصفر، كانت الشمس تخرج مدماة متثاقلة تطل على مخيمي صبرا وشاتيلا، ملأت جرارها حزنا سرمديا تسكبه في الأرواح والقلوب.. لم تكن تلك المرأة الفلسطينية التي وقفت على حافة الموت تصرخ: وينكم يا عرب؟؟ إلا صرخة الضمير والوجدان في مواجهة جريمة العصر التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية والعميلة، بحق آلاف الفلسطينيين الآمنين في مخيمي صبرا وشاتيلا.
قبل ثلاثين عاما، رسم الجلاد علامات الموت على الجسد الفلسطيني، لتبقى شاخصة لمن أصابه العمى، وشاهدة على الجرم المشهود، تمنع الأحرار في امتنا ان يصافحوا يد المجرمين القتلة.. وتمنعنا من البلاهة والسذاجة والموت التعيس تحت اقدام المتغطرسين في قاعات الانتظار الذليل على أعتاب المفاوضات.
قبل ثلاثين عاما وبعد ثلاثة اشهر من الحرب الضروس التي خاضها المقاتلون الفلسطينيون، والشرفاء من اللبنانيين بقيادة قائد الثورة الفلسطينية، ياسر عرفات.. قبل ثلاثين عاما لم تستطع قوات العنصري الصهيوني، شارون، التقدم نحو بيروت في العشرة أيام الأخيرة إلا عشرة أمتار، حسب توصيف المراسل العسكري الصهيوني.. كان ياسر عرفات حينها يقول للعرب والمسلمين: أريد سيوفكم ولا أريد دعاءكم.. وكان يقول: هبت رياح الجنة. وكان يقول: سأعلّم شارون دروسا لن ينساها بأطفال الار بي جي.. ومضت الثمانية والثمانون يوما تحت القصف الصهيوني، جوا وبرا وبحرا، فيما كان الاشبال ينطلقون من تحت الركام يقصفون الدبابات الإسرائيلية، حيث اضطرت قيادة الجيش الإسرائيلي ان تقيدهم على مقاعدهم.. مضت الثمانية والثمانون يوما لهبا ودويا ووساطات عربية بان يقبل عرفات الخروج من بيروت.. كان عرفات وحيدا، فالنظام العربي تخلى عنه، بل والحركة الوطنية اللبنانية تحت الضغط الشديد، طلبت منه أخيرا الخروج من لبنان.. وقادة الفصائل الفلسطينية جميعا طلبوا منه الخروج من لبنان.. جاءه المبعوث الاممي، فيليب حبيب، يقترح عليه الخروج.. ولكن لانه قائد تاريخي فكان لابد ان يعد البيان جيدا.. وكان لابد ان يتفقد قواته وموقعه جيدا.. فهو ليس فارا من ساحة الوغى، وليس مهزوما، بل مضطر لتغيير الموقع، ولكن دونما ذل، فهيهات منا المذلة لقد كانت هذه الصرخة الحسينية المستقرة في جيناته وروحه، حيث ينتمي لآل البيت نسبا.. كان لابد ان يتقن كل شيء تفاوض مع فيليب حبيب الذي قال في مذكراته: لقد كنت افاوض رجلا منتصرا يملي علي شروطه.. اولا تعهد اممي بمعالجة القضية الفلسطينية، وتمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه، ثانيا نقل امن للقوات الفلسطينية الى مواقعها الجديدة بتعهدات دولية، ثالثا: تعهدات بشرف العسكرية من قبل القوات الدولية بحماية اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان.
خرج عرفات وقواته من بيروت رافعا يديه مودعا لبنان وشعبها، قائلا لفلسطين.. وفيما كان يتفقد بعض قواته في السودان، جاءه الخبر بان مجزرة رهيبة حلت بالفلسطينيين في صبرا وشاتيلا.. إن آلاف الفلسطينيين تم قتلهم بالجملة.. هناك قال عرفات المجروح والمفجوع، بان أمريكا خانت شرفها العسكري.
صبرا وشاتيلا.. دير ياسين.. قبية.. كفر قاسم.. يافا.. خان يونس.. مخيم جنين.. قطاع غزة.. الخ عناوين مجازرنا وأسلوبهم لإقامة دولتهم العنصرية، انها وصمة عارهم الى الأبد.