صبرينة وكهينة إمسعودان… تترأسان شركة بباريس للتدريب على التنفس الواعي
لم تعد القيادة في عالم الأعمال الحديث، وفي الكثير من الوظائف الصعبة، تقاس فقط بالنتائج والأرقام، بل أصبحت ترتبط بشكل متزايد بقدرة القائد أو المدير والمسير على إدارة ذاته قبل إدارة فريقه. فبين ضغوط الأداء وتسارع القرارات اليومية أصبح مفهوم التنفس الواعي كأداة عملية تساعد الريادة والقيادة على تحقيق التوازن الذهني والعاطفي داخل بيئات العمل والمسؤوليات الكبرى.
التقت “الشروق”، على هامش أحد الملتقيات الخاصة بالأطباء الجراحين في فندق الأوراسي بالجزائر، بالشقيقتين صبرينة وكهينة إمسعودان، اللتين استطاعتا أن تؤسسا أكبر شركة متخصصة في القيادة الواعية والتنفس التحويلي بباريس العاصمة الفرنسية، حيث أكدتا أن طريقة تنفس الإنسان تنعكس مباشرة على طريقة تفكيره وتواصله واتخاذه للقرارات، وأن تواجدهما في ملتقى الأطباء الجراحين، هو تقديم دروس تعليم القيادة وإزالة الخوف عند الطبيب الجراح.
فغرف الجراحة تعتبر بحسبهما، واحدة من أكثر البيئات المهنية ضغطا ودقة، حيث يواجه الجراحون يوميا مستويات عالية من التوتر الذهني والتركيز المستمر، إذ يمكن لثوانٍ قليلة أو قرار سريع أن يصنع فارقا كبيرا في أثناء العمليات الجراحية.
التوازن الذهني لمواجهة أصعب المسؤوليات
وقالت كهينة إمسعودان، مؤسسة شركة “ME” بباريس ومرشدة ومستشارة في مجال القيادة والتنفس الواعي والبرامج التحويلية للأفراد والشركات، إن مفهوم التنفس الواعي يلفت الانتباه كأداة داعمة تساعد الأطباء الجراحين على الحفاظ على الاتزان الذهني والهدوء تحت الضغط، ويعتمد على تقنيات بسيطة تهدف إلى تنظيم الإيقاع التنفسي ورفع مستوى الحضور الذهني، ما يساعد على تهدئة الجهاز العصبي وتحسين التركيز والانتباه أثناء المواقف الحساسة.
وأوضحت في تصريح لـ “الشروق”، أن القيادة الواعية والتنفس التحويلي أمر مهم عند الطبيب الجراح، فرغم خبرته العلمية العالية، يبقى إنسانا يتأثر بالإجهاد والتوتر وتراكم الضغوط اليومية، وعلى هذا الأساس، فإن التدريب على التنفس الواعي لا يرتبط بالاسترخاء فقط، بل يساهم في تعزيز القدرة على اتخاذ القرار بسرعة ووضوح، وتقليل التشتت الذهني داخل غرفة العمليات.
وأشارت كهينة امسعودان، إلى أن بعض التجارب المهنية كشفت أن الجراحين الذين يمارسون تقنيات التنفس الواعي قبل العمليات أو خلال فترات الضغط يتمتعون بدرجة أعلى من التحكم الانفعالي، وقدرة أفضل على التواصل مع الفريق الطبي، إضافة إلى تحسين جودة التركيز لفترات طويلة، فقد تمكنت هي وشقيقتها صبرينة من تكوين عشرات الجراحين في فرنسا وخارجها وأيضا في الجزائر.
وترى أن فوائد هذه الممارسات، لا تقتصر على الأداء المهني فحسب، بل تمتد أيضا إلى الصحة النفسية للطبيب، خاصة في ظل ارتفاع معدلات الإرهاق والاحتراق المهني في القطاع الصحي، فمع تزايد الاهتمام العالمي بالصحة الذهنية للأطباء بحسبها، باشرت بعض المؤسسات الصحية إدماج برامج الوعي والتنفس ضمن تدريبات الدعم النفسي والقيادي للكوادر الطبية، باعتبار أن جودة الرعاية تبدأ من توازن مقدم الرعاية نفسه، إذ في غرفة العمليات يبدأ القرار الدقيق من نفس هادئة.
تكوين مئات النساء الرائدات والطيارين ورجال الأعمال
ومن جهتها، قالت صبرينة امسعودان، مرشدة ومستشارة في مجال القيادة والتنفس الواعي، إن المقصود بالقيادة بالتنفس الواعي، هي منهجية تساعد القائد أو الفرد على تطوير حضوره الذهني وتنظيم حالته الداخلية لاتخاذ قرارات أكثر وعيا وهدوءا، وإن الشركات تهتم اليوم بهذا النوع من البرامج، لأن المؤسسات بدأت تدرك أن الأداء المستدام مرتبط بالصحة النفسية والتركيز وجودة التواصل، موضحة أن النتائج التي يلاحظها المشاركون، تظهر في خفض التوتر، وضوح ذهني أكبر، تحسين العلاقات المهنية، وارتفاع القدرة على التكيف.
وبصفتها مرشدة ومستشارة في القيادة الواعية والتنفس التحويلي، متخصصة في تصميم برامج تطويرية للأفراد والمؤسسات، فإن هدف مؤسستها هي وشقيقتها “ME” هو تعزيز الاتزان الداخلي، الذكاء العاطفي، وجودة الأداء المهني والإنساني، إذ يغير التنفس الواعي طريقة القيادة واتخاذ القرار داخل المؤسسات.
وأكدت أن تقنيات التنفس الواعي، يتعلم القائد التوقف للحظات، واستعادة حضوره الذهني، والتعامل مع المواقف بوضوح أكبر بدل ردود الفعل المتسرعة، هذه الممارسة البسيطة نسبيا باتت اليوم تدخل ضمن برامج تطوير القيادات في عدد متزايد من المؤسسات التي تسعى إلى خلق بيئة عمل أكثر توازنًا وإنسانية.
وأوضحت أن تأثير التنفس الواعي، لا يقتصر على الجانب النفسي فقط، بل يمتد إلى تحسين جودة التواصل داخل الفرق، وتقليل مستويات الاحتراق المهني، وتعزيز الذكاء العاطفي، وهي عناصر أصبحت ضرورية في المؤسسات الحديثة، لأن الأشخاص الذين تكونوا عندها أظهروا أن القائد الهادئ والمتزن قادر على اتخاذ قرارات أكثر دقة، واحتواء الأزمات بمرونة أعلى، وبناء علاقات مهنية قائمة على الثقة والإنصات.
وقالت صبرينة اسمعودان، إن عشرات الطيارين تدربوا على التنفس الواعي الذي يساعدهم على التركيز واتخاذ القرار تحت الضغط.
ففي مهنة تعتمد على الدقة العالية وسرعة الاستجابة، يواجه الطيارون مستويات استثنائية من الضغط الذهني والتركيز المستمر خلال الرحلات الجوية. وبين المسؤولية الكبيرة وساعات العمل الطويلة، برز التنفس الواعي كأداة فعالة تساعد الطيارين على الحفاظ على الهدوء الذهني واتخاذ قرارات دقيقة في الظروف الحساسة.
وأفادت ذات المتحدثة، بأن التنفس الواعي يعتمد على تقنيات تساعد على تنظيم الإيقاع التنفسي وتهدئة الجهاز العصبي، ما يساهم في تعزيز التركيز والانتباه وتقليل التوتر في أثناء العمل. فحين يكون الإنسان تحت ضغط مرتفع، يصبح التنفس سريعا وسطحيا، وهو ما قد يؤثر على صفاء الذهن وسرعة اتخاذ القرار، وأن الطيار، بحسبها، يحتاج إلى مستوى عال من الحضور الذهني، خصوصا أثناء الإقلاع والهبوط أو التعامل مع الظروف الجوية المفاجئة، إذ يلعب التنفس الواعي على استعادة التوازن الداخلي والحفاظ على الاستقرار النفسي في اللحظات الدقيقة.
وأكدت في السياق، أن تقنيات التنفس تساعد على تحسين التحكم الانفعالي، وتقوية القدرة على التركيز لفترات طويلة، إضافة إلى دعم التواصل الهادئ والفعال داخل قمرة القيادة، كما أن السماء يبدأ الأمان خلالها من نفس هادئة وعقل حاضر.
النساء أكثر حاجة للتنفس الواعي لريادة الأعمال والمسؤوليات
وعن دور التنفس الواعي لدى النساء الرائدات في الأعمال للقيادة واتخاذ القرار بثقة، قالت كهينة امسعودان، إن تنفس المرأة الرائدة والمسؤولة بوعي، يجعلها كل ثقة ووضوح وإلهام، ففي ظل التحول الحديث، لم يعد التنفس الواعي مجرد ممارسة للاسترخاء، بل أصبح جزءا من ثقافة قيادية جديدة تؤمن بأن النجاح الحقيقي يبدأ من الداخل.
وأكدت أن مئات النساء الفرنسيات والعربيات ومن بعض البلدان الأمريكية والأسيوية، تكون وتدربن على التنفس الواعي من أجل القيادة خاصة في عالم الأعمال سريع الإيقاع، لأن الرائدات يواجهن تحديات يومية تتطلب التوازن بين القيادة، واتخاذ القرارات، وإدارة الضغوط المهنية والشخصية.
وبحسب كهينة امسعودان، فإن التنفس الواعي يبرز بين متطلبات النجاح المستمر وضغط الأداء، كأداة عملية تساعد المرأة القيادية على الحفاظ على وضوحها الذهني واتزانها الداخلي.
وعلقت قائلة: “إن القيادة اليوم لم تعد تعتمد فقط على المهارات التقنية والخبرة، بل أصبحت ترتبط أيضا بالذكاء العاطفي والقدرة على إدارة التوتر والتواصل بوعي مع الآخرين، فقد بدأت العديد من النساء في مواقع القيادة باللجوء إلى تقنيات التنفس الواعي كوسيلة لتعزيز التركيز والثقة والهدوء أثناء العمل”، مشيرة إلى أن التنفس الواعي يساعد المرأة على استعادة توازنها وسط ضغوط الاجتماعات، والقرارات السريعة، والمسؤوليات المتعددة، عبر تقنيات بسيطة تعيد تهدئة الجهاز العصبي وتخفف التوتر الذهني، كما تساهم هذه الممارسات في تعزيز الحضور القيادي، وتحسين جودة التواصل، واتخاذ قرارات أكثر وضوحا بعيدا عن التسرع أو الإرهاق النفسي. وتؤكد التجارب العملية أن القائدة المتزنة داخليًا تكون أكثر قدرة على الإبداع، واحتواء التحديات، وبناء بيئة عمل صحية.
ومن خلال ما كشفت عنه الشقيقتان، صبرينة وكهينة امسعودان، تبين أن التحديات المتسارعة التي تواجه عالم الأعمال اليوم، تجعل من مستقبل القيادة لا يعتمد فقط على المهارات التقنية والخبرة، بل أيضا على الوعي الداخلي والقدرة على إدارة الطاقة الذهنية والعاطفية.