-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
حين يتقدم المواطن ويتراجع "المُؤثر"

جزائريون يصنعون البطولة في الميدان و” مشاهير الرّقمية” يختفون…!

نادية سليماني
  • 722
  • 0
جزائريون يصنعون البطولة في الميدان و” مشاهير الرّقمية” يختفون…!

في كل مرة تمر فيها الجزائر بمحنة، يتكرّر المشهد نفسه، وكأنه اختبار حقيقي يكشف معادن الناس. ففي الوقت الذي تتقدم فيه مجموعات من المواطنين البسطاء إلى الصفوف الأولى لمواجهة الكوارث، يختفي عدد كبير ممن يطلقون على أنفسهم لقب “المؤثرين”، فلا يُسمع لهم صوت، ولا يُرى لهم أثر، إلا بعد انطفاء ألسنة اللّهب وانتهاء الأزمة، حينها يظهرون لحصد المُشاهدات وصناعة المحتوى، وساعتها يكون الأبطال الحقيقيّون قد أنهوا دورهم في حماية الوطن.

وقد أعادت الحرائق الأخيرة التي مسّت عدة ولايات من الوطن طرح هذا السؤال المتكرر: أين يختفي مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي الذين يتابعهم الملايين، مع كل أزمة أو هجوم يطال الجزائر؟ رغم تقديمهم لأنفسهم في كل خرجاتهم، بأنهم “أصحاب تأثير في المجتمع”… !

فمع الحرائق الأخيرة، التي لا تزال مُشتعلة في بعض مناطق الوطن، لم نر أغلب المؤثرين الرّقميين، يطلقون حملات للتبرع أو التطوع، أو حتى يدعون إلى غرس شجرة تعوض ما التهمته النيران، كما غاب كثير منهم عن مواساة العائلات المنكوبة أو الإشادة ببطولات رجال الحماية المدنية وأعوان الغابات والمتطوعين الذين خاطروا بحياتهم لإخماد الحرائق.

يفتخرون برحلاتهم السّياحية ومنتجاتهم التجميلية… !

ولم يكن هذا الغياب وليد اليوم، فقد سبقه صمت مماثل عقب الفاجعة التي أودت بحياة أطفال أبرياء في حريق دار الرحمة بالمحمدية، ولا حتى رأيناهم يدعمون حملة غرس مليون شجرة التي أطلقتها وزارة الفلاحة الأشهر الماضية بمساهمة متطوعين معروفين، حيث واصل عدد من مشاهير الإنترنت نشر يومياتهم المعتادة، بين إعلانات لمستحضرات التجميل، واستعراض للرحلات السياحية، ومظاهر الرفاهية، وكأن وطنهم آخر اهتماماتهم.

بل إن بعض المغنيات والمغنين واصلوا إحياء الحفلات الخاصة والأعراس رغم إعلان الحداد الوطني، في مشهد أثار استياء واسعا لدى الجزائريين، الذين اعتبروا أن احترام مشاعر المجتمع في مثل هذه الظروف مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون واجبا وطنيا.

طوالبيّة: التأثير الحقيقي يُصنع في الميدان لا خلف شاشات الهواتف

في المقابل، قدم المواطن الجزائري درسا جديدا في الوطنية والتضامن، مؤكدا أنه لا ينتظر تعليمات من مشهور على الإنترنت حتى يتحرك، ولا يحتاج إلى فيديو تحفيزي حتى يقوم بواجبه. فقد شاهد الجميع شبابا بسطاء يحملون ما توفر لديهم من معاول ورفوش وأغصان أشجار للمساهمة في إخماد النيران، فيما هرول أطفال صغار حاملين قوارير مياه لمساندة رجال الإطفاء والمتطوعين، وكأنهم أطفال الثورة الذين سقوا المجاهدين بالماء في أثناء الكفاح المسلح. بينما فتحت عائلات بيوتها لاستقبال المتضررين، وانطلقت قوافل التضامن من مختلف الولايات محملة بالمساعدات.

ولنا في صور 10 شباب استماتوا في إطفاء حريق بشرق البلاد، وفي طريق عودتهم بين الرماد نشروا فيديو تحفيزي ومؤثر، وهم يدعون الشباب للابتعاد عن المُخدّرات والحرقة والتعويل على أنفسهم خدمة للوطن.

الوطنية تقاس بالحضور وقت الشدة لا بعدد المتابعين

هذه الصور العفوية، التي لم تكن تبحث عن الشهرة ولا عن الإعجابات، هي التي صنعت التأثير الحقيقي، وأكدت أن الوطنية لا تقاس بعدد المتابعين، وإنما بحجم الحضور ساعة الشدة.

وفي المقابل، انتظر بعض المؤثرين حتى انتهت الحرائق، ليتوجهوا إلى الغابات المحترقة، يصورون الرماد والأشجار المتفحمة، ويضيفون موسيقى حزينة ومؤثرات بصرية، دون أن ينسوا إدراج الفواصل الإشهارية لمنتجاتهم، محولين المأساة إلى فرصة جديدة لزيادة نسب المشاهدة وتحقيق الأرباح.

ولعل أكثر ما لخص هذا السلوك، تعليق كتبته إحدى المواطنات على فيديو لمؤثرة كانت تتجول بين بقايا الغابة المحترقة بولاية قالمة، حيث كتبت لها: “بعدما طارتْ الطيُور جات الهامَة تدور.” وهي عبارة شعبية اختزلت شعور كثير من الجزائريين تجاه من غابوا وقت الحاجة، وحضروا فقط بعد انتهاء الخطر.

ويرى المختص في علم الاجتماع الدكتور عبد الرحمان طوالبيبة، في تصريح لـ”الشروق”، أن مفهوم التأثير الحقيقي لا يقاس اليوم بعدد المتابعين أو حجم التفاعل على المنصات الرقمية، وإنما بمدى قدرة الإنسان على خدمة مجتمعه في الظروف الصعبة.

ويؤكد المتحدث أن المواطن الصالح، الذي يهب تلقائيا للدفاع عن وطنه، ويساعد المتضررين، ويحمي الممتلكات العامة، ويغرس قيم التضامن لدى الأجيال.

مواطنون قدّموا نموذجا يحتذى به

وبحسبه، المؤثر الحقيقي داخل المجتمع، لأنه يقدم نموذجا عمليا يحتذى به، في حين إن كثيرا من مشاهير الإنترنت بنوا شهرتهم على محتوى استهلاكي وترفيهي، لا يترك أثرا إيجابيا عندما يحتاج الوطن إلى أبنائه.

وأضاف أن الجزائريين أثبتوا في مختلف الأزمات، من حرائق وفيضانات وزلازل وجائحة كورونا، أن قوة المجتمع تكمن في تضامن مواطنيه، وليس في مشاهير المنصات الرقمية، موضحا أن الوطنية سلوك يومي، وليست صورة تنشر بعد انتهاء الأزمة أو فيديو يحصد آلاف الإعجابات.

وختم المختص بالتأكيد على أن المجتمع أصبح أكثر وعيا، ولم يعد ينبهر بسهولة بالألقاب الرقمية، بل أصبح يميز بين من يصنع المحتوى ومن يصنع المواقف، وبين من يستثمر في معاناة الناس لتحقيق الأرباح، ومن يضحي بوقته وجهده وراحته من أجل وطنه.

ويختم محدثنا قائلا، بأن الجزائريين أثبتوا أن التأثير الحقيقي لا يولد خلف شاشات الهواتف، بل يصنع في الميدان، حيث يمتزج العرق بالدخان، وتعلو قيمة الإنسان على قيمة الشهرة، ويظل المواطن البسيط، الذي يحمل معولا أو قارورة ماء أو كلمة طيبة، أكبر مؤثر في وطنه، مهما بلغ عدد متابعي مشاهير الإنترنت.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!