-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

صحافة الخوف والخوف من الصحافة!

بقلم: د. عثمان عبد اللوش
  • 551
  • 0
صحافة الخوف والخوف من الصحافة!

نعود إلى الحرب الإعلامية التي شنها النظام الفرنسي على الجزائر، منذ اعتقال العميل بوعلام صنصال في 16 نوفمبر 2024 عند عودته إلى الجزائر، إذ منحه الرئيس الفرنسي وبشكل غير قانوني الجنسية الفرنسية منذ جوان 2024، لأنه قدّم خدمات جليلة لفرنسا على مدى سنوات طويلة، خاصة وأنه كان إطارا ساميا في وزارتي الصناعة والتجارة، وإلا لما قامت هذه الحرب الإعلامية.
هناك الكثير من الكلام الكاذب والمضلّل الذي قيل عن اعتقال الخائن العميل بوعلام صنصال ضد تاريخ الجزائر والدولة الجزائرية وجغرافيتها، ولكن لم تقل صحافة الخوف الفرنسية الحقيقة التي يجب أن يعرفها الرأي العامّ في فرنسا والعالم.
إذا كنت قد شاهدت القنوات التلفزيونية أو استمعت إلى الراديو وتصفّحت الجرائد أو شبكة التواصل الاجتماعي في الأشهر الأخيرة وحتى اليوم، فربما تكون قد اكتشفت اسم هذا العميل الملقب ببوعلام صنصال، بمناسبة اعتقاله، ولذا فقد سمعت بالضرورة هذه الجملة في كل هذه القنوات الإعلامية الفرنسية، بل وحتى على لسان كل السياسيين الفرنسيين من اليمين واليمين المتطرف: «نحن لا نسجن فولتير!» هذه العبارة تعود إلى الجنرال شارل دوغول، والتي تتكرّر في جميع القنوات إلى غاية اليوم. إذن صلصال هو “فولتير فرنسا جديد”! ولكن أي نوع من فولتير؟
أولاً، ذُكر أن إجراءات جنائية قد أقيمت ضد صنصال في الجزائر، بسبب مساسه بالسيادة الوطنية، ونشر كلام خاطئ عن الحدود الجزائرية مع الجارة الغربية، وهذا ما جرّه للمثول أمام القضاء الجزائري، فالجزائر منذ جويلية 1962 استرجعت سيادتها وحريتها بقوة الحديد والنار، علاوة على ذلك، فإن السياسيين في فرنسا يطالبون بتحرير صنصال.
لقد أثار اعتقال صنصال موجة كبيرة في فرنسا، متهمين الجزائر بأنها تعتمد على خطاب وطني، إذ يُتهم صنصال بالخيانة والتواطؤ مع القوى الأجنبية. وفي فرنسا، تتأرجح ردود الفعل بين الدعم الثابت لليمين المتطرف والصمت غير المريح من جانب اليسار، مما يعكس عدم الراحة في مواجهة المواقف المثيرة للجدل في بعض الأحيان. ولكن إلى جانب هذه الاختلافات و الاختلالات داخل فرنسا، عمد الإعلام الفرنسي إلى تكرار هذه العبارة المسمومة: “لا ينبغي سجن أي كاتب بسبب كلامه أو أفكاره”، رغم أن كلام العميل صنصال تعدى كل الحدود مثل هذه العبارة: «لماذا لم تستعمر فرنسا المغرب؟ لأنها دولة عظيمة، وهي صعبة للغاية، ولكن استعمار أشياء صغيرة، هي عملية سهلة»… نعم بالنسبة لصنصال، هذه هي الجزائر، التي توصف بأنها “شيء صغير”، من دون تاريخ، والتي كانت تستحق الاستعمار. لكن هل يستحق صنصال أن يُسجن بسبب هذا؟

عمد الإعلام الفرنسي إلى تكرار هذه العبارة المسمومة: “لا ينبغي سجن أي كاتب بسبب كلامه أو أفكاره”، رغم أن كلام العميل صنصال تعدى كل الحدود مثل هذه العبارة: «لماذا لم تستعمر فرنسا المغرب؟ لأنها دولة عظيمة، وهي صعبة للغاية، ولكن استعمار أشياء صغيرة، هي عملية سهلة»… نعم بالنسبة لصنصال، هذه هي الجزائر، التي توصف بأنها “شيء صغير”، من دون تاريخ، والتي كانت تستحق الاستعمار.

بالنسبة لنا، لقد تعدّى كل الحدود، ومهما كانت مكانة هذا الشخص ندين ونطالب بمقاضاته، أما فرنسا اليوم، والتي مازالت لم تتخلص بعد من مواقفها الفوقية وسياسة فرِّق تسُد، وهي لم تتخلص بعد من عقيدتها الاستعمارية، ومازالت تحلم بـ«الجزائر فرنسية»، فهي تطالب بالإفراج عنه فورا، وكأنّ الجزائر مازالت فرنسية.
والآن سأبيّن الفرق بين صحافة الخوف عندهم والخوف من الصحافة عندنا.
بادئ ذي بدء، أين تحدّث هذا الكاتب الخائن العميل؟ ما هي هذه المقابلة؟ حسنًا، تحدّث صنصال إلى قناة «حدود» وهي قناة إعلامية يمينية متطرفة واسمها القديم «كتابٌ أسود». هذا حقّا مَعْلَمُ اليمين المتطرف. لكن هناك ملاحظة هامة يجب أن يعرفها كل الشعب الجزائر، فصنصال لم يُستَضف في هذه القناة بالصدفة، لكنّ ورد في موقع «حدود»، أنه عضو في لجنة الخبراء في هذه القناة الإعلامية، فهو ابن الدار.
سأزيدكم بيتا من الشعر، كما يقول العرب، حول تطرّف هذا العميل، فقد قال لصحافي في يومية “لوفيغارو” الفرنسية: «نتحدث عن الإسلاموية في فرنسا اليوم، ولكن هي طريقة لتغيير لون المشكلة، الحضارة ليست إسلامية، بل الحضارة هي الإسلام».
في فرنسا أي شخص له الحق في أن يكون مسلما، لكن يجب أن يفعل ذلك بتكتُّم. وبجانب ذلك، هناك الإسلاموية، يجب أن تكون حذرًا، لأنه يمكن أن تعرض نفسك أن تصبح في «القائمة أس»، أو أن تقبض عليك الشرطة الفرنسية في منزلك وأنت نائم في فراشك على الساعة السادسة صباحًا، هذه هي القواعد في فرنسا وهذه هي الجمهورية الفرنسية!.
والواقع، حتى في حزب “التجمع الوطني”، يمكن أن يُحترم هذا التمييز، لكن العميل صنصال، ذهب إلى أبعد من ذلك عندما تحدَّث عن الإسلاميين: «الإسلام يريد توسيع بيت الله، أو الأمة، ولن ينمّيها بقتل الناس، بل تحويلهم إلى الإسلام، بالقوة».
في الماضي استعمل الاستعمار نظرية “البديل العظيم”، مثلما وقع في العالم الجديد في قارة أمريكا، عندما جرى القضاء على الهنود الحمر وتعويضهم بالأوروبيين، وقد فعلت فرنسا الشيء نفسه في الجزائر، على مدى 132 سنة، ومثلما يعمل الكيان الصهيوني في فلسطين منذ عام 1948، والشيء ذاته قام به النظام المغربي عندما احتل الصحراء الغربية، وهجّر آلاف السكان من أراضيهم.

يذهب بوعلام صنصال في هذا الصدد إلى أبعد من ذلك؛ فهو يحثّ فرنسا على عدم الاعتراف بجرائمها الاستعمارية في الجزائر. وفي معركة الذاكرة هذه، هم في أمسّ الحاجة أن يكون لديهم حلفاء مثل صنصال وكامل داود، وثلة من الخونة الجزائريين الذين فتحوا دكاكين على وسائل التواصل الاجتماعي يدافعون عن فرنسا ضد الجزائر لأنها مهمة، وفرنسا تقوم بإدارتها وحمايتهم.

نعم في الماضي كان “البديل العظيم”. لكن صنصال يتحدث عن “التحوّل العظيم”. وبهذا يذهب إلى أبعد من اليمين الفرنسي المتطرّف، في رفض الإسلام والمسلمين. ولأنه جزائري وحصل على الجنسية الفرنسية مؤخرا. لكن ما سيثير اهتمامي هنا هو الاستقبال الذي تم تقديمه لهذه العبارة «التحول العظيم» في الإعلام الفرنسي، من قبل الصحافيين الذين لا يعرفون شيئًا عن تاريخ الجزائر، والذين لديهم فكرة نمطية يدعون لها. تخيل، صحافيا يمينيا فرنسيا لا يحب المسلمين، لا يحب الجزائريين، ولا الدولة الجزائرية التي لا يعرفها كثيرًا، فإن مثل هذا العميل يعدّ ضيفا مثاليا.
إن الجزائري الذي يقول إن “الجزائر تستحقُّ الاستعمار” هو خبز مبارك بالنسبة للنظام الفرنسي ولصحافة الخوف، لأنه لم يعد بحاجة إلى الاعتذار والتوبة. وعلى الرغم من ذلك، فمن المستحيل أن تقول في وسائل الإعلام الفرنسية كلاما غير هذا، فقد حاول أحد الرجال الفرانكو جزائري وهو الدكتور نجيب سيدي موسى، لكنه تعرَّض لمشاكل كبيرة جدا، وكان ذلك في 24 نوفمبر 2024 في برنامج “إنها السياسة” على القناة العمومية فرانس خمسة، إذ قال: «هناك شيء يعيقني كثيرًا، في هذه الحالة، هي معاملة وسائل الإعلام الفرنسية، أجد أن بوعلام صنصال، لعدة سنوات، يغذّي خطابًا عدائيًّا تجاه المهاجرين والمسلمين ويأخذ كل مواضيع رئيس حزب اليمين المتطرف إريك زمور».
والدكتور نجيب سيدي موسى كان هادئا وواقعيا ودقيقا، وقد قال «عندما أرى أن نشطاء حقوق الإنسان والنشطاء المناهضين للعنصرية والمثقفين في الوسط الثقافي الباريسي يقدّمون صنصال كرجل تنوير، وكرجل يدافع عن القضايا العظيمة، أنا آسف، إما أنهم منغمسون تمامًا، أو أنهم عُميٌ أو هم متواطئون».
بعد هذا التوضيح الدقيق والهامّ من طرف الدكتور نجيب سيدي موسى، والذي كان المراد منه، بأن صنصال ليس فولتير، ولن يكون فولتير، وما هو إلا عميل لليمين المتطرف والعنصرية وعدو الإسلام، وأنصار الجزائر فرنسية.
بعد هذه الحصة، تعرّض الدكتور نجيب سيدي موسى لمضايقات عنصرية على نطاق واسع، مع مفارقات فظيعة، من طرف باحثين فرنسيين أغلبهم من اليمين المتطرف، والصحافيين ورسامي الكاريكاتور. وما هذه التصاريح من قبل صحافة الخوف، ضدّ الدكتور نجيب سيدي موسى، إلا دليل على أن حرية التعبير والديمقراطية في فرنسا إلا قناع لخدعة الدول الأخرى. كما أن الصحافي الفرانكو جزائري فارس لونيس، شرح جيدًا حاجة وسائل الإعلام الفرنسية إلى كُتّاب جزائريين أو فرانكو جزائريين، ولكن بشروط معينة: «الجزائري أو العربي المرحَّب به هو الذي سيتناول الخطاب الذي يدور عند اليمين واليمين المتطرف، وعندما يأتي كاتب جزائري أو أي شخص أخر بخطاب حقيقي ومغاير لهذا التوجّه، سيوصف بأنه إرهابي ومخرّب».
نعم، في فرنسا هناك الكيل بمكيالين، هناك “الجزائري الجيد”، الذي ينتقد الجزائر، وينتقد الإسلام، ويحب فرنسا؛ و”الجزائري السيئ” الذي سيتذكر الماضي الاستعماري لفرنسا، والذي ينتقد العنصرية، ويدافع عن حقوقه، وعن دينه الإسلام.
ويذهب بوعلام صنصال في هذا الصدد إلى أبعد من ذلك؛ فهو يحثّ فرنسا على عدم الاعتراف بجرائمها الاستعمارية في الجزائر. وفي معركة الذاكرة هذه، هم في أمسّ الحاجة أن يكون لديهم حلفاء مثل صنصال وكامل داود، وثلة من الخونة الجزائريين الذين فتحوا دكاكين على وسائل التواصل الاجتماعي يدافعون عن فرنسا ضد الجزائر لأنها مهمة، وفرنسا تقوم بإدارتها وحمايتهم.
كما أن الأحداث الكارثية التي تعيشها فرنسا اليوم، تؤكد لنا بأن النزعة العنصرية عند السياسيين من اليمين واليمين المتطرف، ومنهم الرئيس ماكرون، والذي صرح مؤخرا وأمام كاميرات الإعلام، عندما زار «مايوت» وهي جزيرة تقع في جنوب شرق إفريقيا، وفي الحقيقة هي تابعة لجمهورية جزر القمر، وهي دولة عربية. قلت عندما زار هذه الجزيرة التي تعرّضت لدمار كبير تنيجة عاصفة «شيدو»، وجد سكان مايوت غاضبين منه ومن فرنسا، فردَّ عليهم بهذه العبارة الحقيرة: «اعتبروا أنفسكم محظوظين لأنكم مع فرنسا، وإلا لأصبحتم اليوم في القرف»، نعم لقد استعمل هذه العبارة ومن دون حياء.

 إن الجزائري الذي يقول إن “الجزائر تستحقُّ الاستعمار” هو خبز مبارك بالنسبة للنظام الفرنسي ولصحافة الخوف، لأنه لم يعد بحاجة إلى الاعتذار والتوبة. وعلى الرغم من ذلك، فمن المستحيل أن تقول في وسائل الإعلام الفرنسية كلاما غير هذا، فقد حاول أحد الرجال الفرانكو جزائري وهو الدكتور نجيب سيدي موسى، لكنه تعرَّض لمشاكل كبيرة جدا.

العقلية الاستعمارية مازالت موجودة في أذهان النظام الفرنسي الحاكم، وقد رأينا في المناقشات التي أعقبت اعتقال صنصال، أو لدى أولئك الذين أخذوا الكلمة مثل وزير الداخلية برينو روتايو، والعدل دارمانيان، ولوبان، وزمور…
في فرنسا اليوم، أصبح خطاب الكراهية ضد المسلمين وخاصة الجزائريين يطفو على السطح، فالكثير يتحدث اليوم ومن دون قناع، لا يوجد مسلمٌ معتدل، بل المسلم سرعان ما يصبح إسلاميًّا وإرهابيًّا ومخرِّبا».
هذا الخطاب الفرنسي الذي يدور في عقول السَّاسة في فرنسا يعتقد أن العرب والسود، أدنى من البيض، من ناحية أخرى هم متيقّنون بأن الحضارة الليبرالية الغربية تتفوّق على جميع الحضارات الأخرى. وأن الحضارة الإسلامية هي خطرٌ على الغرب. هذه هي الفكرة السائدة اليوم عندهم، وإلا لما كل هذا الهول، والسب والشتم، بحقّ الجزائر التي استطاعت إعادة بناء نفسها بعد دمار دام 132 سنة، وأيضا بعد عشريتين من الإرهاب، والذي شاركت فيه فرنسا بشكل أو بأخر. الجزائر التي استرجعت قوتها العسكرية والدبلوماسية والسياسية والثقافية، فبعد الحراك المبارك الذي طرد العصابة من السلطة، هاهي اليوم تحت قيادة الرئيس عبد المجيد تبون، تعيد بناء قوتها الاقتصادية وتعمل بهدوء وثبات.
آمل أن أكون قد وصلت الفكرة، بأن المهاجر الجزائري المسلم في فرنسا هو مثل “النازي”، أما بوعلام صنصال، فإنه “فولتير الجديد”، “فولتير الجديد” يقف ضد “النازيين”، آمل أن تساعدك هذه المقارنات والمقاربات على فهم أفضل لما يدور في عقول النظام الفرنسي والساسة هناك من اليمين واليمين المتطرف.
كما أن الصحافي الخائن العميل كمال داود، والذي حصل على جائزة غونكور هو أيضًا يعتبر فولتير آخر، لديه نظرية عن “العرب الجيدين” و”العرب السيئين” في فرنسا. لقد كتب ذلك في عموده في أسبوعية “لوبوان” في أفريل 2024، وقارن بين فرنسيتين من أصل عربي، الأولى المحامية الفرانكو فلسطينية ريما حسن، والثانية المهندسة الفرانكو جزائرية مليكة سوريل، وكلاهما مرشحتان للانتخابات البرلمانية الأوروبية. إحداهما لحزب “فرنسا الأبيّة” والأخرى لـ”التجمع الوطني”. وخَّمِنْ من يفضل فولتير الثالث؟ مع ريما حسن، يحاول حزب “فرنسا الأبية” احتكار المشاعر المؤيدة للفلسطينيين والناخبين المسلمين، إن لم يكن الإسلاميين. وكمال داود لم يكن ليكتب في هذه الأسبوعية العنصرية إذا لم يلقَ هذا النوع من الكلام عن أعداء اليمين واليمين المتطرف. والآن استمع إلى ما قاله لنا عن مليكة سوريل، وهي المرشحة رقم اثنين في قائمة “التجمع الوطني”، قالت: “لقد وُلدت في الجزائر ونشأت وتخرجت فيها، لكني لا أتوافق بأي شكل من الأشكال مع صورة المهاجر الجزائري، والذي يضع نفسه في موقف الضحية”. غالبًا ما يتّهم أشخاص مليكة سوريل بالخيانة. في كثير من الأحيان، أولئك الذين يناهضون العنصرية هم أول من يدعو لخدمة العرب، أولئك الذين لا يستجيبون لكليشيهات الضحية الأبدية. وهكذا نصبح خائنين عندما لا نخضع لأرثوذكسية الراديكالية اليسارية.
باختصار “العربي الجيد” لكمال داود هو الذي يحب فرنسا كثيرًا وينتهي في صف اليمين المتطرف. هل عرفتم اليوم لماذا اخترت عنوان هذه المقالة: صحافة الخوف والخوف من الصحافة؟!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!