صدقا وهما كذوبان
خلافا لادّعاءات رئيس حكومة العدوِّ الصهيوني بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس بتحقيق نصر كبير في الحرب الحالية على إيران و”حزب الله”، اعترف رئيسُ الحكومة السابق نفتالي بينيت بأنّ الكيان لم يحقِّق أيَّ نصر في أيِّ جبهة، سواء في حرب غزة، أو في حربه الحالية، في حين قال رئيسُ وزراء سابق آخر وهو يائير لابيد إن نتنياهو يقود إسرائيل إلى كارثة أمنية، والجيشُ بلغ أقصى طاقته، والحكومة تركته ينزف في حربٍ متعدّدة الجبهات من دون إستراتيجية واضحة.
نفتالي ولابيد لم يقُولا إلا الحقيقة وهما كذوبان؛ فقد عجز جيشُ الاحتلال عن تحقيق أهدافه الرئيسة في غزة طيلة سنتين من حرب الإبادة والتدمير وفي مقدِّمتها سحق “حماس”، وتجريد القطاع من السِّلاح، وتهجير سكانه، وملئه بالمستوطنات، أو منحه لترامب ليحوّله إلى “ريفييرا الشرق الأوسط”.. وخرج نتنياهو في الأخير من حرب غزة بخُفَّي حنين.
أمّا في الجبهة اللبنانية، فقد زعم نتنياهو أنّه أضعفَ “حزب الله” إلى حدّ كبير خلال حرب “إسناد غزة” بين 8 أكتوبر 2023 و27 نوفمبر 2024، ولن يجرؤ حتى على الردّ على الضربات اليومية التي يوجِّهها له، لكنّ تبيّن الآن أنّ الحزب كان يلوذ بسياسة “الصبر الاستراتيجي” في عدم الردِّ على تلك الاعتداءات الصهيونية اليومية بهدف التفرُّغ لإعادة بناء قُدراته العسكرية التي تضرَّرت بشدّة خلال حرب “إسناد غزة”، وهو ما تمكّن منه الحزبُ فعلا كما يتّضح من خلال المواجهات الحالية التي يخوضها ضدّ الاحتلال منذ 2 مارس الجاري إلى حدّ الساعة، فهو يخوضها باحترافية عالية وفعالية كبيرة ويطلق يوميًّا عشرات الصواريخ والطائرات المسيَّرة على مواقع عديدة للاحتلال داخل فلسطين المحتلة وحتى بالجولان السوري المحتلّ ويقوم بتوثيقها بالصورة والصوت، في يوم الخميس الماضي، أطلق عليه 600 قذيفة صاروخية وطائرة مسيَّرة في ظرف 12 ساعة فقط، وهو رقمٌ غير مسبوق، كما يكبِّده خسائر كبيرة خلال المواجهات الميدانية بقرى جنوب لبنان، ومنها تدمير 84 دبابة “ميركافا” في ظرف أربعة أسابيع.
ويعترف العديد من المحللين الصهاينة بأنّ أداء “حزب الله” خلال الحرب الحالية قد فاجأهم ولاحظوا جميعا أنَّه تحسّن كثيرا مقارنة بحرب “إسناد غزة”، وأكّدوا أنّ ما يتحدّث عنه نتنياهو من قرب القضاء عليه ونزع سلاحه ليس إلا وهمًا، بل إنّ رئيس أركان الاحتلال، أيال زامير، حذّر من أنَّ قوات الاحتياط لن تصمد في ظلّ الضغوط المتزايدة، والجيشُ يتّجه إلى الانهيار من الداخل إذا لم تُقرّ الحكومة قوانين لتجنيد “الحريديم” المتديٍّنين، وتنظيم خدمة الاحتياط، وتمديد مدّة الخدمة الإلزامية في الجيش الذي يعاني نقصا كبيرا يصل إلى 20 ألف جندي.
أمّا على صعيد الجبهة الإيرانية، فقد اعترف الاحتلالُ أخيرا بعدم إمكانية إسقاط النظام أو تدمير قُدراته العسكرية في الحرب الحالية، وقد دارت عليه الدائرة وأصبحت الصواريخُ الانشطارية والمسيَّرات الإيرانية تتهاطل عليه وتضرب أهدافا عسكرية ونووية وحتى مدنية نوعية كمطار بن غوريون، وتكبِّده خسائر بشرية ومادية كبيرة وتجبر ملايين المستوطنين على العيش في الملاجئ ساعات طويلة يوميًّا، فضلا عن توقّف العمل والدراسة في العديد من المناطق بالكيان وتحوُّلِ حياة سكانه إلى جحيم.
وإزاء هذا المأزق، لم يجد الرئيسُ الصهيوني إسحاق هرتزوغ بدًّا من الاستنجاد بأوروبا وزعم أنّ الكيان يحارب من أجل أمنها أيضا ضد “الخطر الإيراني” ولا بدّ أن تساعده في هذه الحرب، لكن الواضح أنّ أوروبا، وبقية دول الغرب المنضوية في حلف “الناتو”، لا تريد التورُّط فيها، ولا نجدة أمريكا والكيان، ودولُها تبحث عن مخارج ودِّية مع إيران بشأن مضيق هرمز ولو اضطرّت إلى دفع رسومٍ للمرور منه كما تفعل في قناة السويس، أما وقد دخل الحوثيون الحرب الآن وقد يغلقون باب المندب قريبًا ويحرِّمون البحر الأحمر على سفن أمريكا والاحتلال، فسيكون للمعركة وجهٌ آخر.