صدمة في ندوة
يعطي السّاسة والمثقفون في أوروبا أهميّة بالغة للحوار. ويمارسونه تحت تنظيمات ومسمّيات شتّى، ولا يستثنون منه أي موضوع.
كما أنّ الحوار يمارَس في مؤسسات شتّى، ويتناول تبعا لذلك مواضيع كثيرة، كما أنّه يُتناوَل بمستويات مختلفة. وقد يكون موضوع الحوار واحدا ولكنّ مستوى عرضه يختلف باختلاف الجهة المُنظِّمة له أو المُشرفة عليه، ذلك أنّ المستوى الأكاديمي غير مستوى محترفي السياسة، ومستوى هؤلاء مختلف عن ذلك الذي تنظّمه أجهزة الإعلام التي بدورها ليست على مستوى واحد من الكفاءة والجدّية.
عرف المجتمع الأوروبي دوائر فكرية نشطة يُطلَق عليها مصطلح (Think Tanks) وهي خلايا متخصصة في البحث والتمحيص للظواهر السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تستجد في مجتمعاتهم كما في العالم.
شدّتني هذه الظاهرة في أوروبا إليها شدّا دفعني إلى الإعجاب باهتمام الإنسان عندهم بشؤون مجتمعهم ومتابعة قضاياه بالبحث والدراسة والنقد، واستخلاص ما فيها من فوائد وما قد تحتويه من ضرر حالّ أو متوَقع والتحذير منه، لأجل ذلك قررت أن أتابع بعض هذه الأنشطة والمشاركة فيها للتعلم ومعرفة كنهها وكشف أغوارها وأهدافها.
دُعيت كسفير للجامعة العربية للمشاركة في ندوة لإحدى هذه النوادي لمناقشة موضوع على قدر عال من الأهمّية تحت عنوان “ظاهرة الإرهاب الجهادي”، وكان القصد من الموضوع وصم فريضة الجهاد في الإسلام بالإرهاب الذي يجب على العالم المتحضر- بحسب زعمهم- إدانته ومقاومته بكل الوسائل، وانتهى منشطو الندوة إلى أنّ الخطر الدّاهم على البشرية اليوم هو المسلمون، لأنهم يجبرون غيرهم على اعتناق دينهم، فإن أبى من يدعونه استعملوا معه قوة السلاح. ويستشهدون على صحة ما يقولون بما عاشته البشرية منذ نهاية السبعينيات إلى اليوم من الأعمال الشنيعة التي تمارسها تنظيماتهم المنتشرة كالقاعدة وداعش وغيرها. وقد عرفت عواصم وبلدان كثيرة حوادث وحشية كنيويوك، وباريس، ولندن، وبروكسيل، ومدريد وغيرها.
وممّا أتذكره في هذه الندوة مداخلة رجلين فرنسيين يبدو بوضوح أنهما متأثران بأطروحات اليمين المتطرف الذي كان يعتبر احتلال الجزائر ضربا من ضروب نقل الحضارة إلى شعب همجي، وأنّ معاملة الجزائريين معاملة دونية هو ما يليق بهم، وأنّ استباحة أعراضهم وانتهاك حرماتهم ونهب ثرواتهم أمر تقتضيه المصلحة، ولذلك أطلقوا على المقاومين الذين رفعوا لواء الجهاد لتحرير الأرض وصيانة العرض صفة الإرهابيين، ويستشهدون في دعواهم بالمصطلحات التي يستعملها الثوار حينها كالتكبير أثناء الهجوم والنطق بالشهادتين عندما يساقون إلى المقصلة، وإطلاق صفة المجاهد على الثائر والشهيد على من يفقد حياته منهم، وهذه شواهد كافية لتلصق بهم صفة الإرهابيين.
والمتتبع لما تنشره الجرائد في الجزائر خلال فترة الاحتلال، وما تذيعه محطاتهم الإخبارية، يلاحظ أنّ مصطلح الإرهابيين يُطلق على المجاهدين والمقاومين حينها. هذه القناعة لم تتغير عند صنّاع القرار من الساسة الغربيين إلى اليوم، وهي تغطية مُضلِّلة لاستمرار سيطرتهم على حريات ومقدرات شعوب ودول العالمين العربي والإسلامي خصوصا.
شدّني تدخل هذين الفرنسيين، خاصة تأكيدهما على أنّ العالم لن يعيش في سلام دون سيطرة القيم والمُثُل الغربية في تنظيم المجتمع والدولة. طلبتُ التعقيب، وفي أثناء تناول الكلمة صدمتُ الجميع بقولي: “أنا أعتز وأفتخر بأنني جزائري وابن إرهابي”.. والتفت الجميع إليّ ثم إلى بعضهم البعض، تعلو وجوههم علامات التعجب والاستغراب.
استرسلت قائلا: “كان والدي وبعض إخوتي وأقاربي من المقاومين للوجود الاستعماري الاستيطاني الفرنسي في بلدي، الذي أباد عُشر شعبنا، ونهب ثرواتنا، وانتهك أعراض نسائنا، وعمل على محقنا وطمس هويتنا، ولم يبق أمامنا لاسترجاع حريتنا وكرامتنا إلّا الدفاع عن أنفسنا بالإمكانيات الموجودة بين أيدينا. إنّ حق الدفاع عن النفس الذي تُقِرُّه كل الشرائع السماوية والأرضية هو الجهاد في الإسلام، ولمّا كان هذا هو منطلقنا العقدي الموحِّد لكلمة الرّافضين لوجود فرنسا على أرضنا أُطلِقت صفة الإرهابيين على كل الجزائريين والجزائريات المقاومين، وكان والدي وأقاربي من هؤلاء.. لذلك، أنا أعتز اليوم بأن أكون ابن إرهابي بينكم”.
بهذا التعقيب البسيط، تحول النقاش إلى مساحة معقدّة، وهي محاولة إعطاء مفهوم لمصطلح الإرهاب.
لا يُحبّ ساسة الغرب الخوض في هذا الموضوع، لأنّ أيّ تعريف للإرهاب يُدِينهم كما يُدين تاريخهم المليء بسفك الدماء، واستعباد الشعوب، وسرقة مقدراتهم، والاستمرار في نهب ثرواتهم.
خرج الفرنسيان بوجهين شاحبين، وشفاه يابسة، وعيون جاحظة، دون أن يلتفتا وراءهما. وانتهت الندوة إلى ضرورة تعريف مفهوم الإرهاب، قبل إطلاقه على الغير. وتبيّن للحاضرين، أنّ هذا اللبس المتعمّد والمُبرمَج في إلحاق صفة الإرهاب بفريضة الجهاد في الإسلام، هو الخندق الذي يتحصّن فيه هؤلاء لاستباحة المستعمرات القديمة في العالمين العربي والإسلامي، كما أنّه المِظلّة التي يتغطّى بها ورثة الحروب الصليبية الذين ما زالوا يحِنُّون إلى أيام الهيمنة الاستدمارية.
خرجتُ من الندوة وقلبي يعتصر حزنا على ما ألحقناه بقيمنا من تشويه بفهمنا السقيم لديننا العظيم، إنّه دين الحرية والسلام، ودين الاستقامة والحق والعدل، ولكنّنا حبسناه في تخلفنا الفكري وعقدنا النفسية، وجعلنا منه إمّا دين الاستكانة والتّذلل أو دين الكراهية والاستبداد. إنّ هذا التّدين المغشوش، يجب أن يوضع له حد لتستعيد شعوبنا تنفس الحرية بكلتا رئتيها، وهي صحة المعتقد وصناعة الحياة بمعرفة أسرار سنن الله في الخلق والكون.