صدمة قانونيّة وسياسيّة واقتصاديّة تهزّ المغرب والاتحاد الأوروبي
في البداية، قبل أن نخوض في أهمية قرار محكمة العدل الأوروبية حول عدم شرعية نهب المغرب للثروات الصحراوية والمتاجرة بها، وعدم شرعية شرائها منه، الذي صدر يوم 4 اكتوبر 2024م، وجاء لصالح الشعب الصحراوي، لا بد من التذكير أن الأمم المتحدة، بكل هيآتها، ظلت تعتبر أن قضية ثروات البلدان الواقعة تحت الاستعمار تشبه قضية تقرير المصير تماما.
فمثلما أصدرت الجمعية العامة للأمم عدة قرارات حول تصفية الاستعمار وتقرير المصير، فقد أصدرت، أيضا، الكثير من القرارات التي تمنع الاستعمار من التصرف في ثروات الشعوب المستضعفة الواقعة تحت سيطرته. ومن بين القرارات الأممية التي صدرت بمنع التصرف في ثروات الشعوب الواقعة تحت نير الاستعمار، نشير إلى قرار الجمعية العامة رقم 1314، بتاريخ 12\12\1958م، والقرار الهام رقم 1515 سنة 1960م، والقرار رقم 1803، الصدر بتاريخ 14 ديسمبر 196م.
أهمية معالجة الأمم المتحدة لقضية ثروات الشعوب الواقعة تحت الاستعمار، تجعل من قرار محكمة عدل الاتحاد الأوروبي الخاص بالصحراء الغربية إضافة مهمة تدعم القرارات السابقة، ليس على مستوى توقيف نهب الثروات الصحراوية فقط وإنما على المستوى القانوني والسياسي أيضا.
الطريق إلى القرار الحالي
حتى وصلت المحكمة الأوروبية إلى هذا الحكم، حدثت معارك كبيرة في الكواليس بين جبهة البوليساريو، ممثل الشعب الصحراوي، والاتحاد الأوروبي بزعامة كل من فرنسا وإسبانيا والمفوضية الأوروبية. في سنة 2012م، بدأت البوليساريو معركتها القانونية في دهاليز الإتحاد الأوروبي، معتمدة على رأي قانوني مهم وتاريخي طلبه مجلس الأمن، سنة 2002م، من المستشار القانوني للأمم المتحدة، هانس كوريل، يخص شرعية استكشاف واستغلال الموارد الطبيعية في الصحراء الغربية.
في الرأي المذكور، أكد المستشار القانوني للأمين العام أن أي أنشطة استكشافية وأي استغلال للموارد الطبيعية في الصحراء الغربية يجب أن تتم بموافقة الشعب الصحراوي، وإلا فإنها ستكون انتهاكاً للقانون الدولي. انطلاقا من هذا القرار قدمت جبهة البوليساريو دعوى قضائية ضد المغرب والاتحاد الأوروبي بسبب خرق القانون الدولي، وبسبب استغلال موارد الصحراء الغربية بدون موافقة الشعب الصحراوي. يوم 20 ديسمبر 2016م، أصدرت المحكمة الأوروبية حكماً قانونيا، تحت الرقمC-104/16 P ، أكدت فيه أن الصحراء الغربية إقليم منفصل ومتميز عن المغرب، وأن استغلال ثرواته غير شرعي إلا بموافقة الشعب الصحراوي. بالموازاة مع الدعوى التي قدمتها جبهة البوليساريو، دخلت جمعية المزارعين الفرنسيين على الخط، ورفعت، هي الأخرى من جهتها، دعوى ضد المنتجات الزراعية القادمة من المغرب، بحجة إنها لا تحمل اسم المنتج ولا تحمل اسم المصدر الذي هو الصحراء الغربية. يوم 27 فبراير 2018م، أصدرت المحكمة الأوروبية قرارا، تحت الرقم C-266/16، تقول فيه أن اتفاقيات الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي يجب أن لا تشمل المياه الصحراوية. يوم 29 سبتمبر 2021م، أصدرت المحكمة قرارا آخر تحت الرقمC-897/19 P، ألغت بموجبه الاتفاقيات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، لأنها تحرم الشعب الصحراوي من حقه في ثرواته. على إثر هذا القرار، قدمت كل من المفوضية الأوروبية، المجلس الأوروبي، إسبانيا، فرنسا، ألمانيا، بلجيكا، البرتغال، هنغاريا، سلوفاكيا، المغرب طعنا للمحكمة، لكنها خسرته بصدور قرار يوم 4 أكتوبر 2024م النهائي رقم C-399/22، الذي نلخصه في النقاط التالية: أولا، أن تطبيق اتفاق دولي بين الاتحاد الأوروبي والمغرب يشمل إقليم الصحراء الغربية، كما نصت عليه الاتفاقيات محل نزاع، هو إخلال بمبدأ تقرير المصير، ويجب أن يحظى بموافقة شعب الصحراء الغربية، وهذه الموافقة غير موجودة في الاتفاقيات المذكورة؛ ثانيا، جبهة البوليساريو هي الممثل الشرعي للشعب الصحراوي أمام الأمم المتحدة؛ ثالثا، أي اتفاقيات مع المغرب وتشمل الصحراء الغربية هي باطلة؛ رابعا، الصحراء الغربية أرض منفصلة عن المغرب.
زلزال قانوني بتداعيات كبيرة على المغرب والأمم المتحدة
تكمن أهمية القرار في أنه أحدث زلزالا كبيرا في عدة مجالات، حيث يعتبر الخبراء أن القرار مكمل لقرار محكمة العدل الدولية سنة 1975م، ويُبنى عليه مستقبلا.
تفاعلت الهيآت الحقوقية وخبراء القانون، بحماس وبسرعة، مع قرار محكمة عدل الاتحاد الأوروبي، وراحوا يحللونه ويسلطون عليه الضوء من كل الزوايا والجوانب. ورغم أن ظاهر هذا القرار، الصادر عن أكبر هيأة قضائية أوروبية، يتعلق بحكم في ميدان الثروات والمنتجات الزراعية، إلا أنه يحمل في طياته وتفاصيله الكثير من النقاط القانونية المهمة التي ستخدم، مستقبلا، بدون شك، القضية الصحراوية في مختلف الهيئات العالمية التي تحضر فيها. حسب رأى البروفيسور دياث. ل، أستاذ قانون محاضر عن بُعد في جامعات اوروبية عديدة، فإن “قرار محكمة العدل الأوروبية، رغم أنه خاص بملف الثروات، فيمكن اعتباره تكملة قانونية للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية سنة 1975م، الذي حكم أن لا سيادة للمغرب وموريتانيا على الصحراء الغربية. بالنسبة لهذا القرار، فهو ليس رأيا استشاريا مثل رأي محكمة العدل الدولية المذكور، إنما هو قرار يفضي إلى حكم قضائي ملزم”. يستشف من رأي البروفيسور، أن هذا الحكم القضائي يضيف إلى تأكيد عدم امتلاك المغرب للسيادة على الصحراء الغربية، عدة نقاط جوهرها قانوني مثل إحياء القرار 34/37 الصادر عن الجمعية العامة سنة 1979م، والذي يتم فيه الاعتراف بجبهة البوليساريو كممثل وحيد للشعب الصحراوي. وبالإضافة إلى الاعتراف بجبهة البوليساريو كممثل وحيد للشعب الصحراوي، يؤكد القرار أن كل الاتفاقيات التي يوقعها المغرب مع طرف ثالث، وتشمل الصحراء الغربية هي باطلة من وجهة النظر القانونية حتى يتم تقرير مصير الشعب الصحراوي. هذا يعني أن هذا القرار سيتم تدويله في الأمم المتحدة، جنبا إلى جنب مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول الصحراء الغربية الصادر سنة 1975م. في تصريح للمحامي ورجل القانون السوري حمدان.ن، فإن “القضية الصحراوية أصبحت الآن تمتلك أكثر من ورقة قانونية لتدافع بها عن نفسها. هناك قرار محكمة العدل الدولية الذي يتعلق بالسيادة، هناك قرارات تصفية الاستعمار المتعلقة بتقرير المصير، وأخيرا هذا القرار المتعلق بالفصل في أن جبهة البوليساريو هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي، وأن الصحراء الغربية ليست جزءا من المغرب، وأن هذا الأخير لا يستطيع التصرف في ثروات شعب الصحراء الغربية بدون إذن هذا الشعب”.
إذن، من الناحية القانونية، هذا القرار، في صيغته الواضحة والمفصلة، الصادر من أعلى هيئة قضائية في الاتحاد الأوروبي، رائد الديمقراطية واستقلال القضاء، يجعله يكون مصدرا ومرجعا قانونيا لعدم شرعية أية محاولة تقوم بها دولة، مستقبلا، حول توقيع عقود اقتصادية مع المغرب تشمل الصحراء الغربية. إن القرار القضائي المذكور هو دعم قانوني جديد لجهود الأمم المتحدة، ويفرض عليها -الأمم المتحدة- أن تعالج قضية الصحراء الغربية طبقا لمقاربة قانونية جديدة صرفة، وليس طبقا لمقاربة سياسية، كما أنه يدعم ويكمل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر سنة 1975م. من جهة أخرى، يقبر -القرار- الحكم الذاتي المغربي ويحثو عليه الكثير من رمال الصحراء، لأنه مقاربة سياسية وليست قانونية.
زلزال سياسي في الاتحاد الأوروبي: فضيحة في كل من إسبانيا وفرنسا
يقول الأستاذ خوليو غونزاليس غارسيا، أستاذ القانون في جامعة مدريد، في جريدة Global politcs and law الصادرة يوم 7 أكتوبر 2024م: “بعد هذا القرار، لا يمكن أن يكون هناك أي اتفاق آخر للاتحاد الأوروبي له علاقة بالصحراء الغربية إلا بعد ممارسة الشعب الصحراوي حق تقرير المصير”.
هذا القرار، سيجعل كل دول الإتحاد الأوروبي تقف مصدومة بسبب مواقفها المنافقة المتناقضة مع قانونها وديموقراطيتها، وبسبب تشويه صورتها أمام شعوبها. فهذه الدول خاصة إسبانيا وفرنسا، ستتهمها شعوبها أنها دول تعيش على سرقة ثروات الشعوب المستضعفة مثل الشعب الصحراوي. وتعتبر إسبانيا أكثر الدول الأوروبية التي سيحاصرها القرار، لأنها دعمت الحكم الذاتي في وقت كانت متأكدة فيه أن حكم المحكمة الأوروبية سيتماشى مع القانون الدولي، وأنه لن يكون في صالح الاتحاد الأوروبي والمغرب. من المتوقع الآن أن الشعوب الإسبانية المتضامنة، تاريخيا، مع الشعب الصحراوي، واليسار السياسي -باستثناء الحزب الاشتراكي- ستشعل الأرض تحت أقدام بيدرو سانتشيز، وستقدمه لمحاكمة سياسية جديدة بعد تلك التي قدمته لها بعد تأييده للحكم الذاتي. نفس الشيء سيحدث للرئيس الفرنسي ماكرون، الذي بدأت الأصوات الرافضة لسياسته المعاكسة للقانون الدولي في الصحراء الغربية تنتقده من جميع الجهات.
يقول البروفيسور دياث.ل: لنترك تحليل قرار محكمة العدل الأوروبية جانبا، ونذهب إلى الخطوة المقبلة المهمة وهي رفع البوليساريو شكوى بإسبانيا أمام نفس المحكمة الأوروبية. لقد عبّد قرار المحكمة الأوروبية الطريق لرفع شكوى ضد إسبانيا. فهذه المحكمة، التي تمثل القانون الأوروبي، حكمت أن البوليساريو هي الممثل الشرعي للشعب الصحراوي، وأنها طرف معترف به دوليا، وبالتالي يمكن أن تكون طرفا في كل المنازعات ضد أية دولة عضو في الاتحاد الأوروبي. الآن، رفع شكوى أو قضية -إذا حدث- من طرف البوليساريو ضد إسبانيا، بصفتها لازالت مسؤولة عن تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية، هو حق مشروع تماما، ومفروض على المحكمة قبوله ما دامت قبِلت دعوى وطعون البوليساريو ضد اتفاق الصيد البحري والمنتجات الزراعية، ومادامت اعترفت أن الصحراء لا تشكل جزءا من المغرب، واعترفت أن البوليساريو هي ممثل الشعب الصحراوي. الآن، يحب أن تنصب كل الجهود في اتجاه رفع دعوى ضد إسبانيا أمام محكمة العدل الأوروبية، أو على الأقل محاولة ذلك، رغم أن كل الأدلة القانونية موجودة، ورغم أن هذا الموضوع تدعمه الأمم المتحدة”.
من جهة أخرى، يعتبر الخبراء أن للقرار تداعيات في العالم كله. في هذا السياق يقول البروفيسور كارلوس رويث ميغيل، أستاذ القانون الدولي في الجامعات الإسبانية، في تصريح لموقع sh24h.ifo، يوم 7 أكتوبر 2024م “هذا الحكم لن يؤثر فقط على مواقف الدول الأوروبية، بل ستكون له تداعيات دبلوماسية أوسع نطاقاً على المستوى الدولي. فالدول الأخرى، خصوصًا في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، ستتابع عن كثب هذا القرار من محكمة العدل الأوروبية، باعتبارها جهة قانونية مرموقة ومعترف بها دوليًا. هذا القرار يعزز من موقف جبهة البوليساريو، ويؤكد أن النزاع حول الصحراء الغربية هو نزاع قانوني بالدرجة الأولى، وليس مجرد خلاف سياسي. ومع ذلك، قد يلجأ المغرب إلى محاولات تحايل على الحكم عبر تصدير منتجات الصحراء الغربية على أساس أنها مغربية المنشأ، وهو الأمر الذي يتعارض مع الأحكام الجديدة التي تلزم بوضوح تصنيف المنتجات الصحراوية على أنها قادمة من إقليم الصحراء الغربية وليس المغرب. الآن، المغرب قد يحاول التراجع عن سياساته العدائية تجاه الاتحاد الأوروبي لتجنب العزلة الاقتصادية، خاصة وأن الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأكبر للمغرب. إن المغرب لا يمكنه بسهولة التخلي عن السوق الأوروبية، حيث لا تملك بقية الأسواق القدرة على استيعاب الصادرات المغربية بنفس القدر. هذا الحكم يضع مزيداً من الضغوط على المغرب لتغيير استراتيجيته تجاه الصحراء الغربية، حيث لم يعد بالإمكان الاعتماد على الدعم غير المشروط من شركاء أوروبيين مثل فرنسا وإسبانيا، اللتين أصبحتا في موقف دفاعي بعد صدور هذا الحكم.
زلزال اقتصادي في المغرب وإسبانيا
بالإضافة إلى الزلزال القانوني والسياسي الذي أحدثه القرار في المغرب والاتحاد الأوروبي، أحدث -القرار- زلزالا اقتصاديا في إسبانيا وفي المغرب بالخصوص. من بين 138 سفينة تصطاد في المياه الصحراوية، توجد 92 سفينة تابعة لـ90 شركة صيد إسبانية، والآن بموجب الحكم ستضطر هذه السفن إلى الخروج من المياه الإقليمية للصحراء الغربية لتحصي خسائرها بعد منعها من الصيد في منطقة غنية بالأسماك. وإذا كان قطاع الصيد الأوروبي، والإسباني بالخصوص، سيخسر فنجد أن قطاع الزراعة الإسباني سيربح، لكن على حساب قطاع الزراعة المغربي الذي كان ينافسه في الكثير من المنتجات. بالنسبة للمغرب، سيخسر 52 مليون دولار سنويا كان يحصل عليها من الإتحاد الأوروبي مقابل السماح لسفنه الصيد في المياه الإقليمية الصحراوية. السمك الذي كان يباع للاتحاد الأوروبي سيوجه للداخل المغربي وسيباع بالنار؛ أي سيباع للمواطن المغربي بنفس الثمن الذي كان يباع به للأوروبيين، وهذا مستحيل في المغرب المسحوق بالفقر.
دائما في سياق الزلزال الاقتصادي الذي أحدثه قرار المحكمة الأوروبية، ستحدث بدون شك تحركات ودعاوى قضائية ضد إسبانيا، وضد الاتحاد الأوروبي وشركاته لتعويض الشعب الصحراوي، ماديا، عن كل الاتفاقيات غير القانونية التي أبرمها مع المغرب بهدف شراء ثرواته الطبيعية من قوة احتلال.
الكرة في ملعب الأمم المتحدة
إن قرار محكمة العدل الأوروبية الجديد، والنقاط المهمة قانونيا التي تطرق إليها، سيجعل الأمم المتحدة تقف أمام حقيقة جديدة وهي أن الصراع هو صراع قانوني وليس خلافا سياسيا. فإذا كانت الأمم المتحدة ظلت تتحجج أن ما صدر عن محكمة العدل الدولية سنة 1975م، هو مجرد رأي استشاري فإنها اليوم تجد نفسها تواجه قرارا قضائيا قانونيا لا لبس فيه يتطرق إلى أركان القضية الأربعة وهي: تقرير المصير، حسم قضية الممثل الشرعي، الصحراء الغربية ليست جزءا من المغرب والتصرف في الثروات يبقى حصريا على الشعب الصحراوي. إذن، القرار سيحاصر الأمم المتحدة في زاوية ضيقة جدا، وسيفرض عليها أن تنزع من قراراتها مصطلحات الحل السياسي المتفق عليه وتنزع الحكم الذاتي.