الرأي

صرصور لم تؤدبه النملة

حبيب راشدين
  • 2852
  • 0

أي زائر ضيف، غير مطلع على أحوال الجزائر، لن يصدق أن البلد في أزمة، مقبل على شبه إفلاس، يعود به إلى طرق أبواب صندوق النقد الدولي قبل نهاية 2017 ما لم تتحرك أسعار النفط والغاز، لأن الزائر يرى رأي العين في شوارع العاصمة والمدن الكبرى آثار النعمة بادية على الجزء المرئي من سكان الجزائر: في سياراتهم الفاخرة، وحفلاتهم الصاخبة، وفي شواطئهم التي لم يترك فيها موطئ قدم واحد للسائح الأجنبي الغائب أصلا، ناهيك عن الأسواق المتخمة بالسلع وهي، كلما ألقت فيها الحاويات من سلع الهند والسند تقول: هل من مزيد؟

ثم إن الزائر الضيف سوف يطمئن أكثر حين يلاحظ حالة الاسترخاء في رأس هرم الحكومة، حتى بعد أن يصرح رئيسها ـ وكأنه يلقي دعابة ـ أن احتياطي البلد من العملة الصعبة المدخرة تكفي لتغطية ورادات البلد لسنتين، وأنه لا داعي للعجلة في حرمان الجزائريين من الموز والكيوي، أو التضييق على الأحبة من “نشطاء الاستيراد والاستيراد”.

أي مواطن عاقل، يعلم ما لا يعلمه الزائر، كان يتوقع من قادة البلد إعلان حالة الاستنفار والتعبئة العامة منذ أكثر من عام، حين بدأت أسعار النفط تقترب من أفق “الخنس الكنس” بلا أمل في العودة إلى ما كانت عليه في سنواتها السمان، وكان يتوقع من حكومة بلده أن تبادر أول ما تبادر إليه إلى إغلاق بالوعات صرف العملة الصعبة في الغالي والرخيص من السلع، مما يستهلك في أوقات الرخاء، وما لا نحتاج إليه قبل حلول سنة العسر.

ما كان مؤملا من الحكومة عند اختراق أسعار النفط لسقف الستين دولارا، أن تبادر إلى إعلان ترسانة عاجلة من الإجراءات التقشفية، يتقبلها المواطن بيسر حين تبدأ بإخضاع مؤسسات الدولة لحمية صارمة، تقلع فيها عن الإنفاق المفرط، وعن تبذير المال العام ذات اليمين وذات الشمال، ثم تهيئه لتقبل موجة ثانية من التقشف تطال الأسواق، بتجفيفها من السلع التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ثم تصارح المواطنين بالحاجة إلى مراجعة مؤلمة ومتدرجة لسياسة الدعم الحمقاء، التي لا تميز بين طبقة ثرية مسرفة، تتبعها في غوايتها طبقة وسطى قد أغنتها سياسة الأجور المنفلتة، وحماقة تيسير القروض الاستهلاكية في بلد لا ينتج، وبين الملايين من المحتاجين للدعم، ممن تركتهم نفس سياسة الأجور الظالمة دون الحد الأدنى للأجور.

 الآن أسمع الزائر الضيف، وقد أصبح بصره حديد، وآذانه ليس فيها وقر، وتحول إلى محرض للقطيع الذي يقاد بظلفه إلى حتفه وهو يقول: اسألوا رئيس حكومتكم، وقد قال ما قال حين كان سعر البرميل يغازل سقف الستين دولارا: ماذا تقول الآن وقد خرق سقف الأربعين دولارا، ولا أمل في عودة الطلب على النفط مع اقتصاد عالمي مريض، فقد الشهية للطاقة، وقد لحقت فيه الصين ودول البريكس بما آلت إليه الدول الغربية، فيما تستعد أكثر من دولة نفطية لرفع سقف الإنتاج، ولا شيء يمنع من سقوط سعر البرميل دون الثلاثين في الأشهر القليلة القادمة؟  

مقالات ذات صلة