“صعود القوة الرابعة”.. القصة الكاملة لنفوذ إيران الجديد
نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالا تحليليا تناول التحولات المتسارعة في موازين القوى العالمية، حيث سلطت من خلاله الضوء على تداعيات الحرب التي قادتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران.
المقال الذي كتبه أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو روبرت إي. بيب، يستعرض كيف أسهمت هذه المواجهة، على خلاف التوقعات، في تعزيز موقع طهران على الساحة الدولية، ليس كقوة إقليمية فحسب، بل كلاعب عالمي صاعد يفرض تأثيره عبر أدوات جيوسياسية غير تقليدية، وعلى رأسها التحكم في أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
وتشير الصحيفة الأمريكية إلى أن أحد أبرز أخطاء واشنطن كان التقليل من رد الفعل الإيراني، خصوصا فيما يتعلق بأسواق الطاقة. فقد هددت طهران واستهدفت ناقلات النفط في مضيق هرمز، وهو ما تسبب في اضطراب كبير في إمدادات النفط العالمية، حيث يمر عبره نحو خُمس الإنتاج العالمي من الطاقة.
لكن التحول الأهم لم يكن في مجرد التهديد، بل في الاستراتيجية الإيرانية نفسها. فبدلًا من إغلاق المضيق بالكامل، اعتمدت إيران على خلق حالة دائمة من عدم الاستقرار. هذا الأسلوب أدى إلى شبه توقف حركة الشحن وارتفاع حاد في الأسعار، دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية شاملة.
وترى الصحيفة أن هذا الواقع وضع الولايات المتحدة في مأزق استراتيجي واضح. فبينما كانت التوقعات تشير إلى حسم سريع للحرب، أظهرت التطورات أن إيران قادرة على الصمود بل والتأثير في الاقتصاد العالمي بشكل مباشر. كما أن واشنطن لا تمتلك خطة واضحة لإعادة فتح المضيق بشكل آمن، رغم كلفة الحرب المتزايدة.
الأزمة لم تتوقف عند حدود الخليج، بل امتدت إلى الداخل الأمريكي نفسه. فقد ارتفعت أسعار الوقود، واضطرت الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ إجراءات طارئة، مثل السحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، في محاولة لاحتواء التداعيات الاقتصادية.
وتكشف تحليلات “نيويورك تايمز” أن المشكلة أعمق من مجرد أزمة مؤقتة، إذ إن الحرب أظهرت حدود القوة العسكرية التقليدية في مواجهة استراتيجيات غير متكافئة. فإيران لا تحتاج إلى السيطرة الكاملة على الممرات البحرية، بل يكفيها تهديد محدود ومستمر لفرض واقع جديد، يجعل الأسواق العالمية تتصرف بحذر شديد.
هذا الواقع الجديد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل النظام العالمي. فمع استمرار التوتر في إمدادات الطاقة، تستفيد قوى أخرى من هذا الوضع، بينما يتراجع هامش المناورة لدى الولايات المتحدة وحلفائها. وفي المقابل، تزداد أهمية الموقع الجغرافي لإيران، لتتحول من قوة إقليمية إلى لاعب دولي يصعب تجاهله.
وفي ضوء ذلك، تشير الصحيفة إلى أن واشنطن تواجه خيارات صعبة: إما الانخراط في صراع طويل ومكلف لاستعادة السيطرة على طرق الطاقة، أو القبول بنظام عالمي جديد لا تحتكر فيه النفوذ. وفي كلا الحالتين، يبدو أن نتائج الحرب تجاوزت أهدافها الأصلية، لتفتح مرحلة جديدة من التوازنات الدولية.
إن صعود إيران، كما تصفه “نيويورك تايمز”، ليس مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل هو تعبير عن تحول أعمق في مفهوم القوة العالمية، حيث تصبح السيطرة على نقاط الاختناق الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز، أداة تعادل — وربما تتفوق — على القوة العسكرية التقليدية.
وهكذا، لم تعد إيران مجرد طرف في صراع إقليمي، بل تحولت إلى “القوة الرابعة” التي تعيد رسم ملامح النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين.