الشروق العربي

صفيح ساخن لما بعد صيف داكن

عمار يزلي
  • 1593
  • 0

الدخول الاجتماعي هذه السنة لن يكون سهلا بسبب عدة ملفات ملفوفة، يلفها الغموض والاحتقان والتستر والتسرع في “درسها” وطحنا في طاحونة برلمان منتهي الصلاحية منذ تعيينه!.

فقبل الخروج في عطلة الصيف، اجتمعت كل المتناقضات في سلة مهملات البرلمان وقدمت إليه ليفصل فيها في ظرف قياسي وتحت ضغط تنفيذي رهيب،  وكأن البرلمان غرفة تابعة للحكومة، تؤمر بأوامرها وتنفذ بإرادتها! وهذا عكس كل العكوس! لأن الأمر عندنا معكًس أصلا!

سنبدأ مع الدخول المدرسي ومع “إسلاحات” مرتقبة قد “تسلح” العليم وأصحابه! ستنتفض كثير من النقابات في وجه هذه العملية التي يراد لها أن تذهب إلى الأمام مهما كانت تسير إلى الخلف! وسنجد أنفسنا من جديد أمام اضطرابات وشلل لحركة التعليم والشارع أحيانا من طرف الأستاذة المتعاقدين الذي لم يفوزوا في المسابقة والذين أعيد لهم الأمل على أنهم إذا كانوا قد دخلوا بالمعريفة فسيعاد إدماجهم بمعرفة ثانية حتى بدون معرفة علمية! هؤلاء لن يسكتوا لأنهم كُثُر! كما أن النقابات لن نسكت على تهميش كثير منها في أخذ رأيها بداية من مخيمات أوت “الإصلاحية”! فقد تعودنا أن نرى القرارات تطهي في كانون نيران أوت الحارقة، لنجدها جاهزة في سبتمبر! هذه القرار،  لن تمر مرور اللئام، وستجد الوزارة الوصية والوزارة الأولى كثيرا ما تسمعه! الحكومة ستعمل كالعادة على “التهرب إلى الأمام” متجاهلة هذه المطالب وهذه الانتقادات، لأنها ستجد من يدعمها في إعلام الأحزاب الحكومية المسماة موالاة والتي لا مولى لها إلى المصلحة الموالية! سنشرع من جديد من خلال هذه الأحزاب وممثليها في البرلمان وفي الجمعيات والنقابات من إعطاء هذه الاحتجاجات صبغة الصراع الإيديولوجي ـ وهو كذلك ـ من خلال شيطنة الإسلاميين لأنهم سيكونون هم من يريدون تعكير الجو وتحطيم المدرسة واللعب بمصائر أبنائنا! وسيتهمون بأنهم هم من يدفعون البلاد والأمن الداخلي نحو الهاوية وما أدراك ما هيه! فمن اتهم الإسلاميين بالتسبب في بهدلة الباك وتسريباته المبينة المفضوحة، وحتى قبل أن تبدأ التحقيقات، هم من سيتهمون هؤلاء بخلق البلبلة في التعليم واللعب على الحس الديني لتخريب المدرسة الوطنية ! وكأن المدرسة عندنا “باقي بخصها شوية!”

الأمر لن يتوقف عند التربية والتعليم، فالعمال لن يقبلوا بجرة قلم شطب حقهم في التقاعد النسبي، فقط لأن صندوق التقاعد فارغ على قروشه! فما يهم المقبل على التقاعد من أمر الصندوق الفارغ؟ فهو قد بقي لسنوات يقتطع من دمه وماله لقاء هذا اليوم الذي كانوا فيه يوعدون وتأتي أنت اليوم يا صندوقا فارغا لترغم العامل الذي فني في التعليم وفي المصنع وفي الإدارة  لتسلب منه حقه ليبقى بقرة حلوبا لسنوات أخرى يذر فيها مقتطعات من رابته الذي قد لا يستفيد منه لأنه قد يتوفاه الله قبيل الخروج! ويكون بذلك المستفيد الوحيد هي حكومة البارطرونة وباطرونة الحكومة!

سيدهم سعيد، الذي نعت قبل شهر رئيس الباطرونة بالشيكور، استعمل هذه العبارة من صميم عمل الباطرونة! أي عمل المواخير! ولا أعتقد أن هناك اختلافا كبيرا في بعض الممارسات التي تحدث عندنا على مستوى الاقتصادي السياسي! فكل شيء فيها صارت تفوح منه رائحة العبث بمستقبل البلاد والعباد، ضمانا لشريحة تغولت واستثرت سريعا جدا وفي ظرف قياسي بعدما كانت لا شيئا قبل 15 سنة فقط! هذا التغول هو ما سينجر عنه غضب قاعدي قد يعيدنا إلى سنوات الثمانينات لما كنا نهرب إلى الأمام إزاء مشاكل حقيقة وتحديات كبرى كنا نقلل من حجمها ونستصغرها حتى كبرت وانفجرت!

العمل السياسي هو الآخر نزل إلى الحضيض! بل نكاد نجزم أن العمل السياسي الحقيقي قد انقرض! فالمعارضة حشرت في الزاوية ومنعت من ممارسة حقها، بل أنها خُوًنت في كثير من المنابر والمناسبات من طرف أحزاب السلطة والأحزاب المجهرية الفلكية التي تدور حولها وتسبح بحمدها! هذه الحزيبات على تبعيتها للمولاة، تجد نفسها اليوم مستهدفة بقانون الانتخابات من خلال نسبة 4 في المائة المشترطة! (حتى أني أتساءل : لماذا 4 في المائة مثلا وليس 5 أو 6 أو 3؟ ربما لأن حزب سعيد سعدي أيام أول انتخابات نزيهة ونظيفة وشفافة في 91، أفشت حقيقة شعبية حزب هذا الأخير الذي كان يعتقد أن الشعب الجزائري كله معه، ففوجئ بنسبة 4 في المائة، معظم أصواتها من تيزي وزر! فقال كلمته المشهورة ـ بالفرنسية طبعا ـ je me suis trompé de société”. ربما هذه هي القاعدة ـ التي هي أقل نسبة ـ التي جعلت من المشرع يضعها كشرط لقبول العمل الحزبي! يعني، أن تكون على الأقل بحجم الأرسيدي آسيدي! وهذا معناه، أن العمل السياسي سيقلص أكثر إلى أن يصبح مستقطبا في حزبين كبيرين على صغرهما: حزب سعداني وحزب أويحي! فيما سيشكل البقية المعارضة التي لن تستطيع فعل شيء أمام “لجنة مستقلة” معينة لمراقبة الانتخابات! إي لتصحيح الأخطاء في النتائج التي قد يقوم بها الشعب الأمي والذي لا يعرف مصالحه كما أخطأ في 91 ولم نصحح الخطأ في الوقت المناسب لأن مثل هذه اللجنة”المستقلة” لم تكون موجودة!.

إعلاميا، الأحوال ليست بأحسن حال! فما حصل مع الخبر والوطن وقناة الوطن قبل ذلك وقنوات أخرى وتشميع الكثير منها بفعل تفعيل قانون الوزارة التي تعمل من فوق سلطة الضبط، سيؤجج العمل المناهض لمكافحة التصحر الإعلامي، خاصة وأن سلاح الإشهار يعرف كيف يستعمل في هذه الآونة! يتزامن هذا أيضا مع قانون لا يبتعد كثيرا عن المسارات في حق الإعلام والعودة إلى الخلف، ويتعلق الأمر بالقانون الذي يستهدف متقاعدي الجيش! والذي سيعمل على تحييد وإقالة ألسنة العسكريين حتى في التقاعد! ذلك أن الخوض في السياسةـ المعارضة خاصة، من شأنه أن يجلب صاحبه إلى تبوئ مكانه بجوار بن حديد وغيره! كل هذا يأتي ضمانا للتحكم في آلة لم يعد أحد بإمكانه التحكم فيها، لأن الكل فقد السيطرة عليها لتلف مزمن في أجهزتها الداخلية المعقدة، والتي لم يلتفت أحد إلى أصلاحها في الوقت المناسب إلا من خلال عقاقير المورفين والمسكنات والمهدئات الشعبية وشراء السلم بالمال الذي لم يبق له وجود، وما بقى لنا إلى أن ننتظر الموجود وما قد يحل بنا في اليوم الموعود.

مقالات ذات صلة
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!