منوعات
دراسة أكاديمية جديدة على المكتبة العربية:

صناعة الإنسان والمواطن وفق نظرية الهندسة الاجتماعية

الشروق
  • 828
  • 0
أرشيف

يعتبر بحسب المهتمين كتاب “الهندسة الاجتماعية.. صناعة الإنسان والمواطن”، للأكاديمي العراقي، علي مراد عباس، الصادر عن داريْ ابن النديم الجزائرية والروافد الثقافية ببيروت، يعتبر جديد تماماً على المكتبة العربية في عنوانه الذي لا نظير له فيها، وهو أيضاً، جديد في نظرته لموضوعه وأسلوب تعامله معه، تعاملاً جمع بين العمومية والتخصص في هذا الموضوع من جهة، والتركيز على بعديه الاجتماعي والسياسي من جهة ثانية، والربط بين القديم والحديث والمعاصر من مساراته من جهة ثالثة.

وإذا كان من المسلّم به أن الإنسان صناعة، وأن الإنسانية الاجتماعية والمواطنة السياسية، صناعة اجتماعية، على تفاوت في تقدير النصيب الإنساني في هذه الصناعة، فإن تفاصيل ذلك كله لم تحظ في اللغة العربية من قبل بدراسة جامعة، كما حاول هذا الكتاب أن يدرسها في أصولها، ودواعيها الاجتماعية والسياسية، الفردية والمجتمعية، وتأسيساتها النظرية، وتطبيقاتها العملية، والتحولات الحادثة في تلك الدواعي والتأسيسات والتطبيقات قديماً وحديثاً.
وقال المؤلف أنّ إنجاز هذا الكتاب، الذي توزعه في الجزائر مكتبات ناجي ميغا بوكستور، تطلّب جهداً مضنياً من المؤلف، ليس فقط بسبب البحث الدائب والدائم عن مصادره، وصياغة مقدماته ونتائجه، وترتيب وعرض أفكاره، بل وأيضاً بسبب التفكير أصلاً وابتداء في ذلك كله طوال سنوات، حتى أتيحت الفرصة أخيراً لإكتماله في صيغته النهائية.

دواعي العملية والتأسيسات النظرية

وأقرّ الباحث العراقي أنه من الجرأة بالتأكيد، الإقدام على التفكير والكتابة اليوم في الدواعي العملية والتأسيسات النظرية لصناعة الإنسان والمواطن، ومن ثم صناعة الإنسانية والمواطنة، وسياقات نشأة هذه الصناعة وتطورها، بعد أن فكّر فيها من قبل، أو فكّر فيها وكتَبَ عنها، عقول أعلام كبار أمثال كونفوشيوس وسقراط وأفلاطون وأرسطو، وسلسلة طويلة تعاقبت بعدهم من المفكرين عامة والفلاسفة خاصة.
لكنها جرأة الإنسان على التطلع لأن يُقدِّم في إهاب جديد، ويعالج من منظور مختلف، ولو جزئيا، ما سبق وقدمه وعالجه من هم أكفأ منه وأقدر، آملا من ذلك، أي المؤلف، إعادة فتح باب الاهتمام بموضوع بحثه، أو على الأقل بجوانب منه، لم تحظ بالاهتمام الكافي بها من قبل. وتتفاقم جرأة من يُقدم على ذلك حتى تصل حد التهور، حين يتطلع إلى التفكير والكتابة في صناعة الإنسان والمواطن من منظور سياسي، بعد أن أوشكت هذه الصناعة أن تصبح اليوم، أو أنها أصبحت فعلا، علما بينيا مركبا رباعيا، يجمع بين علوم الهندسة والاجتماع والتربية والسياسة، فضلا عن تطلعه إلى التفكير والكتابة في العلاقة المتبادلة بين هذه العلوم أيضا.
وبغية تجنب أكبر قدر ممكن من المخاطر والعواقب غير المحسوبة التي يمكن أن تعاني منها مثل هذه المقاربة النظرية السياسية لصناعة الإنسان والمواطن بطبيعتها البينية المركبة، لو أنها مضت على عواهنها، بلا خط سير واضح ومحدد، ولا دليل يهديها سواء السبيل، فقد جرى التأسيس لها بفرضية مفادها: إن المجتمعات الإنسانية كلها، مارست صناعة الطبيعة والخصائص الاجتماعية والسياسية، لمادتها البشرية، فرديا وجماعيا، تحت مسمى التربية ثم التنشئة الاجتماعية من قبل، وستمارسها اليوم وغدا تحت مسمى الهندسة الاجتماعية، وإن ظروف نشأة وتطور الأنظمة السياسية الغربية الحديثة، جعلتها السباقة لإدراك أهمية هذه الصناعة، وضرورة توليها لمسؤوليتها، ووفرت لها الإمكانيات اللازمة لاستخدامها لتؤمن لها الشرعية اللازمة لحكم مجتمعاتها، والتحكّم بها، والسيطرة عليها، بأقل قدر من الحاجة لاستخدام وسائل القسر والإرغام المادية”.

إخضاع الفرضية لإجراءات التحقق

وتم إخضاع هذه الفرضية لإجراءات التحقق منها، والكشف عن صحتها، بالقدر الممكن إنسانيا من الموضوعية والمنهجية والعلمية، بدراسة الأشكال المتعاقبة من المعرفة بصناعة الإنسان والمواطن، تزعم أنها أشكال معرفية علمية وعملية في آن واحد، وتعيين الشروط التي جعلت هذه المعرفة، وتجعلها على الدوام، ضرورة لازمة ليس لتميّز الإنسان عن باقي الكائنات الحية عقليا واجتماعيا فحسب، بل وضرورة لازمة أيضا لوجوده واستمراره الفردي والاجتماعي، وحتى قبل تميّزه، تأسيسا للاحتمالات المستقبلية بشأن أهداف هذه المعرفة واستخداماتها، وما يمكن أن تطرأ عليها من تحولات، فبين ما نعرفه وما نمارسه علاقة وطيدة، يقول الكاتب، تجعل تغيير أحدهما متعذرا دون تغيير الآخر.
وازداد اهتمام المؤلف بهندسة/صناعة الإنسان والمواطن، بازدياد معرفته بأهميتها وضرورتها الحيوية ليس فقط لاستقرار الحياة الاجتماعية في حاضرها ومستقبلها، واستمرارها على نهجها المعتاد، بل وأهميتها وضرورتها الحيوية أيضا لتغيير طبيعة الحياة جزئيا أو كليا، بحكم الصلة الأكيدة والوثيقة بين هذه الطبيعة من جهة، وبين الهندسة الاجتماعية لأفكار الناس وقيمهم وسلوكياتهم من جهة ثانية.
وتكمن علة هذه الصلة في أن الرغبة الإنسانية، الفردية أو الجماعية، في تبنى وتطبيق أي من خيارات استمرار أو تغيير ظروف الحياة، ومهما كانت طبيعة هذه الخيارات وحدودها، تحتاج في تطبيقها وبشكل أول وأساس إلى توفر المادة البشرية المستعدة لتولي مسؤولية المفاضلة بين الخيارات، وتحمّل أعباء تطبيق المرغوب منها، وأول الخصائص الواجب توفرها في هذه المادة هي خاصيّة امتلاك المقومات الفكرية والقيمية التي تحدد المقومات السلوكية الفردية والجماعية اللازمة لتبني وتطبيق تلك الخيارات، وهو ما يندرج جملة وتفصيلا ضمن دواعي وأهداف الهندسة الاجتماعية لأفكار الإنسان وقيمه وسلوكياته.
س.ع

مقالات ذات صلة