-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

صناعة البعبع لتسويق المنقذ

حبيب راشدين
  • 4439
  • 11
صناعة البعبع لتسويق المنقذ

وحدها الأمينة العامة لحزب العمال تكون قد قرأت في موجة الاحتجاجات فرصة سانحة لعرض مبادرة قديمة في حُلة جديدة، ناشدت الرئيس “التدخل على وجه الاستعجال لمنع حدوث الفوضى، بالنظر للوضع الاقتصادي والاجتماعي الراهن” والتكفل بالدعوة “لانتخابات تفرز مجلسا وطنيا تأسيسيا يتمُّ بموجبه إرساء قواعد نظام سياسي جديد”.

هذه المبادرة في الوقت بدل الضائع تكشف مرة أخرى حالة التيه التي آلت إليها المعارضة، هي أقرب إلى التسول والتوسل، تعني بعد الترجمة الحرفية لها “مناشدة رئيس الجمهورية التفضل بقيادة ثورة داخلية على النظام” تنتهي بإسقاطه دون حاجة إلى ربيع شعوب، لأن المطلب الأول والأخير لجميع الثورات المخملية كان الفوز بمجلس تأسيسي لوضع اليد على نظام الحكم.

في مكان ما تكون السيدة حنون، مثلها مثل النقابات التي تقود الاحتجاجات، قد أساءت قراءة المشهد المعقد للنظام والإحاطة بهامش المناورة المتاح عشية استحقاق يكون النظام قد حسم خطوطه العريضة مع تأجيل التركيب وموعد العرض إلى نهاية السنة، وأنه لا يضيق صدره باحتجاجات اجتماعية متحكم فيها، قابلة للتسوية في أي لحظة، وقد توفر له فرصة تشغيل مسح معمق بـ”السكانير” الأمني والسياسي للأطراف التي قد يخشى أن تركب الجبهة الاجتماعية لخلط الأوراق ساعة الحسم.

لستُ متأكدا أن ما حصل منذ تعيين السيد تبون، ثم إقالته وإدخاله السرداب بشروط مجزية، والدفع بالسيد أويحيى للرقص على صفيح ساخن في توقيت لم يكن في صالحه، أو ما تلقاه حتى الآن من ضربات موجعة على الأصابع، وإرخاء العنان لغريمه في جبهة التحرير لمشاغبة الحكومة عن بُعد، لست متأكدا أنها كانت عن سوء تقدير وفلتان معيب من السلطة الفعلية التي كان بوسعها أن ترفع الحرج عنه بترضية الجبهة الاجتماعية.

وحيث لم تفعل، ولا أظنها ستحرِّك ساكنا، فلا بد أن لها مصلحة في إطالة عمر الاحتجاجات الاجتماعية بمستوى منخفض من التوتر، متحكم فيه، مؤمَّن حتى الآن من الاختراق السياسي والأمني، تقع جميع أعبائه على الحكومة، ويُصرف الغضب فيه باتجاه رئيسها، وربما يكون هذا بيت القصيد، ومؤشرا أوليا قويا لما رُتب له في سياق إدارة الاستحقاق الرئاسي القادم.

في عمودين سابقين كنت قد جازفت باستشراف يزعم أن النظام ذاهبٌ إلى تأسيس قطبين لشغل واجهة الحكم، مع تقسيم الأدوار بين الجبهة والتجمّع، وأنه بقدر ما شجَّع الجبهة على احتضان طيف واسع من القوى التقليدية والمحافظة داخل النظام وفي المجتمع، بما في ذلك الصيد في حظيرة الإسلاميين، شجّع التجمع على استقطاب القوى الليبرالية في مجتمع المال والأعمال كما في الجهاز التكنوقراطي للدولة، ومن مخلفات ما كان يسمى بالمجتمع المفيد، فضلا عن الناجين من قوارب “الحرقة” من الأحزاب العلمانية المفلسة.

ولأن النظام لم يستكمل حتى الآن بناء “جدار الحماية” القادر على تأمين إشراك متقدم لمجتمع المال والأعمال في التدبير السياسي، فلن يجازف في الاستحقاق الرئاسي القادم بترجيح كفة جهة تكون محسوبة على قوى أرباب المال والأعمال، حتى وإن كان سيضطرُّ من باب الاختبار إلى الترخيص لمرشح له في الرئاسيات القادمة، بعد أن يكون قد أجهده بمشاغبة محسوبة.

وفي بلد لم يعُد “الإرهاب” يشكل فيه مصدر تهديد ووسيلة ترهيب، قد سُحقت فيه بقايا المعارضة الإسلامية، وخُرِّبت متاجر المشاغبة اللغوية والثقافية، فإن الحاجة باتت ماسَّة لصناعة بعبع مخيف من “ذئاب” الأوليغارشية حتى نقبل دون تردد بمنقذٍ يخرج لنا من السرداب في ربع الساعة الأخير.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
11
  • عزوق موسى

    ان كان هناك من يحلل بدقة واقع الحال ليستشرف بما يقارب عين الحقيقة فهو بصدق حبيب راشد بن .

  • أحمد

    هذا ما يذكرنا باسطورة الحكيم المستشار للملك و الفقير الشاكي له فقره المدقع ونصحه بشراء الحمار ليزداد غبنا ثم خروفا لتزداد الحالة سوءا ثم دجاجة لياخذ الياس منه ماخذه فينصحه الحكيم ببيع الحما ليرتاح قليلا ثم الخروف ليرضى بالوضع ثم الدجاجة فتتحسن حالت هذا ما يفعلون بنا يخلقون الازمات و التعفن ثم الحلول الجاهزة في الدرج ليبقوا السادة العباقرة اصحاب الحكمة و الاستشراف ونرضى بهم لما كابدنا اللهم هذا عدلكفالرحمة فيه

  • ml algerienne

    لعبة الكبار لا مكان للصغار فيها لا مكان للاحزاب المجهرية التي لا تمتلك سوى بعض اصوات من دوار رئيسها
    لا يمكن لبلد كالجزائر ان يتقدم لرئاسته من لا يمثل قطبا ثقيلا وتبقى حنون في هتراتها السياسية التي لاتمثل سوى احلام يقضة لترودسكية نسيها الزمن في سردابه

  • مصطفى

    تحليل عقلاني مقبول لكن اللبرالية الاقتصادية لا مفر منها لان الجزائري اثبت اثباتا قاطعا انه لا يؤمن ولا يقدر اللملكية العمومية, ولا امل لاقلاع اقتصادي في بلدنا الا بمقاولين خواص منتجين مبدعين من امثال ربراب وبن حمادي وامثالهما.

  • بدون اسم

    ومن تريدها ان تناشد ؟ السديسي ؟ عباسي مدني؟
    او تفعل مثل العرب تناشد ترامب؟ طوني بلير؟ ...
    نناشد الرئيس وهذا عادي وطبيعي
    هل السيدة حنون دعت للطائفية والمذهبية هل أمرت العرب السنة بقتال الشيعة
    هل افتت بقتل العرب بالمساجد *البوطي و...
    للتذكير فقط
    05 دول بالعالم لم ولن يستطع الصهاينة تنصيب رؤساء بها
    الصين كوريا ش ايران .. فكر بالباقي

    مقالاتك ضد قتل وتخريب وتدمير الشيعة احسن على الاقل هناك عرب سنة يناصروك فيها

  • Almanzor

    البعبع الذي تتحدث عنه يا سيدي موجود حقيقة، و سيصل هذا البعبع إلى السلطة و لن يوقفه أحد، لا تبون و لا حنون، فقد وصل إلى السلطة في فرنسا (ماكرون الليبرالي)و أمريكا (ترامب رجل الأعمال)، و ها هو يقترب من الجزائر حيث أصبحنا نرى بعض مبشّريه يخرجون إلى العلن، من أمثال ربراب و حداد، يخوضون في السياسة دون رادع، ولا شك سيكون لهم دور مهم في رئاسيات 2019، و السؤال المطروح : من سيمثل البعبع في الرئاسيات القادمة و الذي سيكون مدعومًا من طرف الحيتان الكبيرة و القوى الرأسمالية العالمية؟

  • فوضيل

    في بلادنا أوليغارشية مالية قوية ومهيمنة وقد تحصلوا على الأموال بطرق مشبوهة وكان لها دور فاعل في كل الانتخابات الأخيرة ، وسنتجه حتما إلى نظام ليبرالي ... وبما أن السلطة عاجزة عن تطبيق مبدأ "من أين لك هذا" ؟ أين المشكل يا أستاذ في أن تتولى الاوليغارشية تحريك الإقتصاد الوطني بإستثمار تلك الأموال في إقتصاد منتج ؟ طبعا أقصد تشجيع "المستثمر المنتج" وليس "المستورد " والواقع يؤكد أن هناك صراع بين تيارات مختلفة وهذا الصراع يمكن أن يحدد مستقبل الجزائر لعقود من الزمن....ربي يستر.

  • أبو محمد الجزائري

    الموقف الذي ينحاز إلى البسطاء من أبناء الشعب هو الموقف المشرف والذي لا يتنكر لماضينا ولا يغفل عن حاضرنا ويغير على أبنائنا ومستقبلهم هو الذي يجب علينا احترامه... أما هؤلاء الفئويون من النخب الحاكمة المشكوك في وطنيتها والمنتفعين معهم من خير الوطن فلا تحزن عليهم

  • الجزائرية

    فعلا أستاذ،لقد أثبت النظام السياسي الجزائري بما لا يدع مجالا للشك بأنه يعيد تجديد نفسه بعد عملية كل تقويم يستجمع فيه مقدراته لتغيير ثوبه ثم الإنطلاق..هناك شبه رسكلة للواقع السياسي ليذهب بالقديم نحو التجديد بعد أن يصفي المادة المنصهرة من كل الشوائب والمعيقات..فقد روض المعارضة "الشرسة"سواء ذات الإيديولوجية الدينية أو الجهوية،بدستور كان قد منع هذه الأسس في بناء الحياة السياسية في الجزائرولم تكن الإستجابةفي البداية سوى محتشمه ،لكنه قادر في النهاية على إحداث التوازن والقولبة الجديدة رغم أنف الجميع...

  • زائر

    كما كنا نتوقع يا استاذ راشدين, فلا شيء يأتي صدفة واحدة, وكما قلت تأجيج و استباق الاحداث والتحكم بها عن بعد وتسويقها الى رئاسيات 2019 ثم حلها في النهاية افضل من تركها تنبت وتنفجر عفويا واستغلالها من طرف ايادي اجنبية لزعزعة استقرار البلاد. ارجوا من كلامك ان يصل الى قلوب هؤلاء المنجرين وراء هذه الاحداث المؤسفة وان يتعقلوا ويفهموا جيدا ما يدور حولهم. اما بالنسبة للسلطة, فالى متى تغطية فشلك والاختباء وراء سيناريوهات جبانة تقتات على معاناة الناس, فدوام الحال من المحال, والله يمهل ولا يهمل.

  • الطيب

    يا سي راشدين هذه الاحتجاجات بريئة من السياسة و لسان حال النقابات بل تصريحاتهم في وسائل الاعلام هي أنّ مطالبهم واضحة و ليست سياسية .
    فلا يجب تكليفهم بما لا يطيقون و لا تكليف السياسة ــ إذا كانت هناك سياسة ــ بما لا تطيق ! في الجزائر و منذ أزمة 1962 سمعنا مرة واحدة بمطلب سياسي واضح في بداية التسعينيات و بعدها حصل ما حصل !