صور “الربيع العربي” تضاعفُ الأمراض النفسية بالجزائر
لا توجد عبارة تستفز الجزائري أكثر من “اذهب لزيارة طبيب نفساني” لاقترانها في مخيلتهم بعبارة “المهبول” أو “الكومبليكسي”، وهو السبب الذي دفع بالمئات من المواطنين للتعايش مع عُقدهم النفسية ومخاوفهم خشية النظرة التي يطلقها المجتمع عليهم، مفضلين إهدار العلاج وإن انتهى بهم المطاف عند أحد النفسانيين فإنهم يحيطون الأمر بالسرية التامة والكتمان وكأنه أحد أخطر وأهمّ أسرار الدولة.
يقاطع أغلبية الجزائريين عيادة النفسانيين ولا يلجؤون إليها إلا للضرورة القصوى، فثقافة زيارة المختص النفساني والاستعانة بتوجيهاته للتحلي بشخصية أكثر قوة وقدرة على مواجهة المشاكل غائبة تماما عن ذهنيات الجزائريين، فالطبُّ لديهم ينحصر في وصفة طبية يحررها طبيب ويصرفها صيدلي أو أن الأمراض النفسية ترتبط بعالم الجن والرقية. فقد أثبتت أحدث الدراسات أن 80 بالمائة من الجزائريين لا يؤمنون بالعلاج النفسي.
إلى ذلك، اعتبرت المختصة “سامية والي”، وهي نفسانية ورئيسة مصلحة الترفيه بمستشفى العظام ببن عكنون، أن الطب النفسي في الجزائر قد قطع أشواطا كبيرة مقارنة بالسنوات الماضية، فهناك طلب كبير على النفسانيين وجل الحالات التي يستقبلونها تتعلق بالأطفال. لتضيف المختصة أن فئة البالغين أقل ترددا على العيادات النفسية، وأكثر الحالات شيوعا وطلبا للعلاج هي التي تتعلق بالاعتداءات الجنسية في مرحلة الطفولة من قبل الأقارب وهم يرغبون في بداية جديدة.
ومن أكثر طرق العلاج النفسي في مستشفى العظام ببن عكنون نجاعة، أوضحت لنا الدكتورة “والي” أنهم جربوا جلسات العلاج النفسي الجماعي، حيث يتم جلب مجموعة من النساء يعانين من نفس المشاكل الصحية عملا بمبدأ “إذا عمت خفَّت”، ليتحدثن عن مشاكلهن وكيفية تعايشهن مع مرضهن وإعاقتهن، وقد ساهمت طريقة التفريغ الانفعالي في مساعدة الكثير من المريضات وهو ما شجعنا على حضور إحدى هذه الجلسات.
دموعٌ في جلسة علاج جماعي
قصدنا مستشفى بن عكنون لنشارك السيدات جلسة العلاج النفسي الجماعية؛ ففي داخل غرفة جدرانها مطلية باللون البرتقالي وستائرها بنفس اللون أيضا، تحيط بها خزائن مزينة بما جادت به أنامل مريضات ومعاقات حركيا، وضعت طاولات بشكل مستطيل لتجلس كل مريضة على مقعدها فكان عددهن حوالي 14 سيدة من مختلف الأعمار ومن جميع ولايات الوطن، كانت حالاتهن الصحية متفاوتة منهن من استجابت للعلاج وتهم بمغادرة المستشفى، وأخرى عجز الأطباء عن إيجاد مسكِّن لآلامها.
تحلقنا جميعا ثم طلبت منا النفسانية أن نذكر أسماءنا حتى نتعارف ونزيل الفوارق بيننا، لتمسك بعدها كل واحدة منا بيد الأخرى على شكل حلقة وتضغط عليها قليلا فتنتقل الحرارة من جسم إلى آخر، ونشعر في تلك اللحظة أننا توحّدنا وأن همومنا أصبحت مشتركة، لتبدأ بعدها كل واحدة في الحديث عما تكابده من صعاب.
تستهل السيدة “و” حديثها: لست مريضة لكنني أرافق والدتي التي ترقد في المستشفى منذ 3 أشهر، أعاني مشاكل عديدة مع زوجي الذي يطلب مني تركها والعودة لبيت الزوجية لكن هذا مستحيل لن أتخلى عن والدتي، تبكي “و” بحرقة تسترجع أنفاسها ثم تصرح بصوت يكاد يغيب: زوجي يضغط عليّ كثيرا في كل اتصال هاتفي، لكن أحاول إخفاء الأمر عن والدتي حتى لا أزيدها ألما وليس أمامي من حل سوى البكاء.
لكن ما شد انتباهنا من بين سلسلة الحكايات الطويلة قصة”ف”، والتي تعاني من مرض أقعدها على الكرسي المتحرك منذ 7 سنوات ولم يعد بإمكانها التحرك أو الخروج مثلما كانت في السابق، لكنها لم تستسلم للمرض فهي تقوم بأعمال البيت، تطبخ، تجيد فن التطريز لكن ما يحز في نفسها هو تقصّد شقيقتها جرح مشاعرها في كل مرة دون مراعاة وضعها الصحي وحالتها النفسية، مستطردة أن ما شتتها وزاد وجعها هو إخفاء الأطباء حقيقة مرضها عنها وهو ما أدخلها دوامة من الحيرة والقلق، لتنفجر باكية مؤكدة أنها لا تخاف الموت ولكنها تريد فقط معرفة مرضها، تلك العبارات وقعت كالصاعقة على مسامع الحضور فالفتاة كانت قد علمت ما حاول الأطباء إخفاءه عليها وهي تتعايش مع هذه الحقيقة بألم كبير.
ولأن الدموع والحزن كانا السمة المخيمة على الجلسة انتهزت النفسانية الفرصة لتشحن السيدات بنصائح تجعلهن أقوى لمواجهة المرض والمجتمع، ليغادرن الجلسة ويباشرن نشاطاتهن بابتسامة عريضة وإصرار وأمل كبيرين.
صور مؤثرة للربيع العربي
يتوزع أغلبية الإخصائيين النفسانيين في المستشفيات والعيادات الجوارية والمؤسسات الاستشفائية، أما العيادات الخاصة فعددها قليل جدا والعثور عليها يعدُّ “إنجازا” في حد ذاته رغم تخرّج الكثير من الدكاترة في معهد علم النفس بجامعة بوزريعة في مختلف تخصصات العلاج النفسي. وللتحري أكثر توجهنا لعيادة الدكتورة “العارم بخوش”، كانت العيادة تعج بالمرضى من مختلف الأعمار ومن الجنسين، ومن خلال الحديث معهم عرفنا أنها ليست المرة الأولى التي يترددون فيها على الأخصائية النفسية وهو أمر جد عادي بالنسبة إليهم.
تحكي الدكتورة “بخوش” أن أغلبية المرضى يقصدون النفسانيين بتوجيه من الطبيب المشرف على حالتهم أو من خلال نصائح الأصدقاء وهناك من يقدم على ذلك من تلقاء نفسه، وتعدّ فئة الأطفال صاحبة حصة الأسد في زيارة العيادة كونهم يعانون من مشاكل مختلفة بعضها يتعلق بالدراسة مثل: الشرود الذهني، كثرة الحركة، الخوف، النسيان، التبول غير الإرادي، فيطلب مستشار التوجيه أو الأساتذة من الأولياء عرضه على طبيب نفسي، في حين البالغين يعانون من اضطرابات نفسية أو سيكسوماتية، إرهاق نفسي، توتر… واستطردت النفسانية “الصدمة النفسية تكون ناتجة عن التأثر بظروف معينة كمشاكل عائلية، أزمة تعرض لها الوطن أو حتى كارثة طبيعية، فهناك الكثير من المرضى زاروا عيادتها نظرا لتأثرهم الشديد بمشاهد القتل وما يحدث في بلدان الربيع العربي، فيصبحوا أكثر قلقا ونرفزة”.
وعن طرق العلاج ذكرت الدكتورة “بخوش” أنها تكون في شكل حصص علاجية نفسية وحصص استرخاء، وهناك حالاتٌ يتم توجيهها إلى مختص في الأمراض العقلية أو العصبية وهي التي تتطلب تناول الأدوية إلى جانب العلاج النفسي، الذي يتمثل في خضوع المريض للمقابلة العيادية وحديثه عن كل وساوسه وقلقه فيُخرج الطاقة الداخلية من خلال الإجابة عن أسئلة عميقة تساعد الطبيب على تحديد المشكلة وإيجاد حلول لها ولا ينبغي أن تزيد مدة الجلسة عن 45 دقيقة. أما جلسات الاسترخاء العضلي فهناك من لا يخضع للعلاج لكنه يطلبها خصِّيصا، وهي تعمل على إزالة التوتر عن طريق الإيحاءات فيرتاح فكرُه ويتحكم أكثر في جسمه.
وواصلت المختصة “بخوش” حديثها بأن المواطنين في السنوات الأخيرة صاروا أكثر وعيا وإدراكا لأهمية العلاج النفسي ولم يعد حكرا على طبقة أو فئة معينة؛ فالأوساط الشعبية أيضا يطلبون العلاج رغم النقص الكبير في العيادات وهم يحيطونه بالسرية التامة خشية أن يعرف المحيطون بهم بالأمر، مفيدة أن بعض المرضى وبعد شعورهم بالتحسُّن ينقطعون عن البرنامج العلاجي من تلقاء أنفسهم وهو ما قد يُحدث لهم انتكاسة جديدة، فالعلاج يعمل على تقوية الدفاعات النفسية لتكون الشخصية أقوى وعلى استعداد لمجابهة صدمات أخرى قد يتعرض لها في المستقبل.