الرأي

صُنّاع اللا محتوى

منذ أن ظهر وصف “صُنّاع المحتوى” مع ظهور الأنترنت، والمحتوى يتدهور ويسقط إلى الحضيض، ويُنتج فطرياتٍ تصرّ على أنها تصنع المحتوى، وهي لا تعرف كيف تصنع وما معنى المحتوى الذي تقدمه؟!

أروعُ إفرازات العلم والمعارف والتكنولوجيا، هو التخصصات، فالطبيب لا يمكنه أن يتحدث في الهندسة، بل إن طبيب الأمراض المُعدية، لا يمكنه معالجة مرضى السكري، فحافظ العلم على قدسيته ونجح الإنسان في ظرف وجيز في تحقيق فتوحات علمية هائلة ساعدته في حياته اليومية.

لكن عالم الأنترنت ومن بعده وسائل التواصل الاجتماعي، منح الجرأة للكثير من الذين فشلوا علميا واجتماعيا، فانتقلوا إلى عالم الخيال، ومن دون شهادة علمية أو خبرة ميدانية، يسمي البعض أنفسهم “صنّاع محتوى”، إيمانا منهم بأنهم أهل صناعة، وهذه الصناعة تعني المحتوى، ولو سلّمنا بأنهم من أهل الصناعة، فإن ما يصنعونه من دون محتوى.

ترى هذا الذي يظن نفسه أنه “صانعُ محتوى”، يخوض في تفاصيل الرياضة، وفي المساء ينتقل إلى الفن وفي الصباح يفتي مع المفتين، وبين رأي و”صحّانة وجه” يدخل ألغام الجهوية والفتنة والطعن في أعراض الناس، حتى وصلنا إلى مستوى، جعلنا نتمنى لو لم يحقق الإنسان هذا التطور التكنولوجي الرهيب.

لا يمكن لأي شخص أن يفتتح عيادة طبية في أي بقعة في العالم، ما لم يكن يمتلك شهادة جامعية من كلية الطب، مع حصوله على ترخيص لممارسة مهنة الطب، ولا يمكن لأيِّ شخص أن يفتتح متجرا لبيع الهواتف المحمولة أو الألبسة أو البطيخ، من دون حصوله على سجلٍّ تجاري وشروط بيع هذه المادة أو تلك، والجميع يبقون تحت أعين الرقابة والضرائب وسلطة مرضاهم أو زبائنهم. بينما تبدو صناعة المحتوى مهنة من لا مهنة له، لقب يمنحه الشخص لنفسه، متى شاء، ليباشر “هواية” الثرثرة والعبث وأحيانا اللاأخلاق.

وكما لا نلوم الدجالين فقط، وهم يحتالون على الناس، إذ يشترك الضحية في الإثم مع الدجال أو المشعوذ، فنحن أيضا لا نلوم من يسمي نفسه “صانع محتوى” مهما انحطّ محتواه، لأن من يتّبعونه هم الأولى باللوم، وطبعا التجريم، عندما يصل هذا المحتوى إلى درجة الجريمة.

لا ننفي وجود بعض المجتهدين الذين صنعوا فعلا المحتوى الذي يسرّ المتابعين، في عالم التراث والسياحة والثقافة وبعض العلوم، لكن للأسف وجدوا أنفسهم في مستنقع من اللامحتوى الطاغي، وفي الخروج عن النص أو تقديم ما لا يتماشى مع هوية الجزائريين وتقاليدهم، والأمرُّ والأخطر هو ضحالة هذا المحتوى، وتفاهته كأن يخوض “صانع”، في محتوى طربي، وهو لا يفرّق بين النوتات، أو في الشعر وهو لم يسبح أبدا في بحوره، أو في عالم الكرة، وهو لا يكاد يعرف أسماء بيادقه…

جميل أن نرى بعض صنّاع المحتوى، من الذين طعنوا في أعراض الناس أو دعوا إلى الجهوية وغيرها من الموبقات، أمام العدالة. لكن الأجمل، ألا يبقى بعض الناس والشباب بالخصوص لساعات أمام “التيك توك” يهدرون وقتهم، ويحرقون أعصابهم، مثل الأبله في “الزفة المسمومة” يضحك على ما قاله هذا، ويقهقه لما فعله ذاك… وهو في الحقيقة المضحكة.

مقالات ذات صلة