-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ضالة الحكام في الغرب

ضالة الحكام في الغرب

الحديث عن القانون الدولي وسيادة الدول وحرمة الحدود باتت نغمة لا تُطرب، وكلام “ترامب” عن نيته ضم جزيرة “غرينلاند” وإلا فإن روسيا أو الصين ستضمّانها واقعيٌّ جدا، ويفتح الباب مشرَّعا على مرحلة تاريخية ستتغير فيها العهود والمواثيق الدولية. إن المكابرة في تقبُّل الحقائق الجديدة والهرب إلى تبني  الدبلوماسية في هذه الصراعات دليلُ ضعف، في عالم ينزع نحو القوة والغزو. أقرأ في تصريح رئيسة الوزراء الدانماركية عن نهاية حلف “الناتو” إذا ما اعتدت الولايات المتحدة على “حقها” في أكبر جزيرة على وجه الأرض معاني أعمق مما يظهر منه، إنها تهدد باقتراب دولتها من الكتلة الشرقية، وقد تصبح الدانمارك كلينينغراد ثانية. وتلكم بداية تغيرات دراماتيكية في شمال الكرة الأرضية.

تستوقفني تصريحات بعض القادة الأوربيين، حينما يقفون أمام العالم يوجزون بالقول ما يريدون قوله أبلغ الإيجاز. ومن وراء ما كُتب لهم ويقرؤونه أو ما استوعبوه فارتجلوه أجهزةٌ ماهرة تنظر إلى الأمور بمنظار دقيق لا مجال للخطأ فيه. من ذلك مثلا، ما أراد الرئيس الألماني تبليغ شعبه به، من تحديات غير مسبوقة تواجه بلاده من الشرق بحرب روسيا على أوكرانيا، ومن الغرب بتنكُّب الحليف الأمريكي عن عهوده للحلف الأطلسي وإصراره على أخذ جزيرة “غرينلاند” من الدانمارك بالقوة إذا لم تؤخذ بالسلام، بأنها لصوصية، ولا ينبغي لألمانيا أن تكون في هذا العالم ضعيفة.

“إنا جعلنا ما على الأرض زينةً لها”، كل هذا الجمال الأخَّاذ في هذه الجزيرة لا يذكِّر أهلها بخالقه! أيُّ كفر هذا؟ ثم انظر كيف أهمل الدانماركيون أهلها ولم يمنحوهم بهجة الحياة التي بها يفاخرون، فلا أهلها متعلمون بشكل جيد، ولا هم يتكاثرون كبقية الأمم، ولا عمران حديثا يظهر على تجمعاتهم السكنية فيوحي بأنهم يعيشون في القرن الواحد والعشرين. ربما شاءت الأقدار الإلهية أن تمنح هذا الفضاء الساحر إلى أناس آخرين، لا يخفون أطماعهم فيها اليوم، لينظر كيف سيعملون “كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ،كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ”.

التقارير تفترض سيطرة واشنطن على القرار السيادي الفنزويلي، وهو سيناريو ليس مسلَّما به تماما، لأن فنزويلا ليست لقمة سائغة لـترامب كيما يبتلعها في عهدته الثانية وربما الأخيرة. فلماذا هذه الانهزامية في التحليل الصِّحافي؟ لكوبا خياراتٌ متعددة وليست إمداداتها الطاقوية محصورة في الجيران أو في الحليف الروسي. المهم أن تكون لديك إرادة للمقاومة، وأن تظل حرا شريفا ولو كلفك ذلك العيش في الظلام.

بيع الكنائس في ألمانيا بهذه الكثرة يحمل بشائر الإيمان الصحيح، لأن الإله الحق لا يرضى لعباده الكفر، والمسيح إنسانٌ كان وأمُّه يأكلان الطعام ثم غدوا آلهة تُعبد!؟ لا المسيحية تحمل الخلاص للبشرية ولا الفلسفات الحديثة، التي حوّلت الألمان إلى آلات تخدم الرأسمالية. نحن المسلمين، نجد السعادة في تطبيق تعاليم القرآن ووصايا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ونتردد على المساجد خمس مرات في اليوم والليلة، وقلوبنا لا تزال معلقة بها في ما بين ذلك. إننا نحب أن نتشارك البهجة والطمأنينة مع شعوب العالم، فعلى الألمان أن يجرِّبوا هذه الديانة، ولن يخسروا شيئا إذا تركوا ما هم عليه.

أهمُّ ما في عناية السويسريين بالملاجئ النووية أن يفقد هؤلاء طعم الحياة، ومن السفه أن تحلم الأجيال عندنا بالحياة في هذ البلد الأوروبي، الذي كان يُضرب به المثل فيوصف به لبنان. إنه سؤالُ الوجود يطفو على المخيال الإنساني، وليس لديه جوابٌ إلا في الفكر الإسلامي.

اليمين الفرنسي يسبح ضد تيار التطور التاريخي للمجتمعات الإنسانية؛ ففي الوقت الذي ينادي فيه حزب “مارين لو بان” بفرنسا للفرنسيين ويحارب الهجرة وغيرها، يحتال على القوانين الأوروبية التي يشارك فيها ويختلس الأموال من شركائه في الاتحاد بطريقة منظمة. وقد آن لهذا النشاز أن يتصادم وسيرورة الحياة اليوم؛ لذلك فإن التهابات اليمينيين الحادة، في محاولة إنقاذهم زعيمةَ الجبهة الوطنية من الموت السياسي، لا تعدو كونها رعشة ديك مذبوح.

نصف مليون مهاجر غير شرعي تسوِّي إسبانيا وضعيتهم دفعة واحدة في مطلع هذا العام! فكم قدَّروا هذه الثروة البشرية بالدولارات يا ترى؟ إنها لعبة الاستغلال الفاحش لا يزال الغربُ يلعبها إلى اليوم باسم الإنسانية، فمن مكافحة الهجرة غير المشروعة إلى تسوية الأوضاع من أجل سوق العمل، ثم الزج بهؤلاء اللاهثين وراء سراب الحياة الدنيا في محارق الحروب التي تنتظر أوروبا، فعلى المسلمين أن ينتبهوا!

قضية الهجرة هذه من إفرازات الحضارة الحديثة التي استحوذت على الثروة والثقافة وكدَّستهما في دول الشمال وحرمت منهما دول الجنوب، كي لا أقول سرقت ثروة الجنوب وهمَّشت ثقافة الآخر. ولو أننا بحثنا في التاريخ الإنساني وكيف انبنت الحضارات في تعاملها مع الآخر، لأدركنا بأن الحضارة الإسلامية كانت وحدها خلوا من هذه الظاهرة السلبية، لأنها حضارةٌ قامت على العلاقة بين الخالق والمخلوق، بغضِّ النظر عن عرقه وأرضه، وبالتالي كان الإنسان يكتفي بشهادة من اثنتي عشرة كلمة ليضع قدمه على سلّم قد يوصله إلى سدة الحكم؛ من هنا نفهم كيف أتى قرار الحكومة الإسبانية نشازا عمَّا في القارة العجوز من أنظمة لا تحبِّذ الهجرة إليها لدواع تتعلق ببنية الفكر والأخلاق في هذه الحضارة. وربما كان التمازج الحضاري الراقي في التاريخ الإسباني الوسيط رافدا غير مرئي ساعد هذه الحكومة على استيعاب التعددية وقبولها في مجتمع لطالما حاربها.

لننظر كيف يُحسّن الاغتراب الفرنسي في المهاجر، فيظهر بأنه ودودٌ ولطيف ورفيق بالبيئة، ثم يشيطن المغتربون من الدول الأخرى في فرنسا وغيرها ويعاملون فيها بعنصرية مقيتة؟ هنالك فراغٌ روحي واضح لدى هؤلاء المغتربين الفرنسيين في إفريقيا وغيرها “نسوا الله فأنساهم أنفسهم”. إذ يعرِّضون حياتهم للخطر بالإفضاء إلى عالم الحيوانات المتوحشة، ولا يندمجون “كما ينبغي” مع السكان الأصليين لإفريقية. وتلكم قصة لها تاريخ طويل مع الاستعباد.

المجتمع الغربي مفلسٌ وبحاجة إلى ثقافة جديدة تعلي من شأن الإنسان، وتكرِّس مفهوم العلاقات الاجتماعية، وتبثُّ الشحنة الروحية التي يحتاج إليها هذا المخلوق المكوَّن من هذه المعاني المفتقدة في الشوارع الأوروبية اليوم. الحياة الغربية ضخَّمت المادة كثيرا وأغفلت الروح والعاطفة؛ لهذا تجد في الحياة الاجتماعية الغربية هذه الفوجات المميتة. ومن باب الشفقة على مئات الآلاف من المشرّدين ولا مأوى لهم أشير على سادة القارة العجوز وكبرائها من الساسة والمثقفين بواجب البحث عن مخرج من هذه الأزمة المستعصية في تعاليم الإسلام، لأنه دينٌ متكامل ويغطي جوانب الحياة كلَّها بشكل متوازن، ولا يبحث من وراء ذلك سوى عن سعادة الإنسان.

أوروبا تعيش في مرض الموت، ولا ينفعها عملٌ تأخرت عن فعله قرنا مضىوفات، وسينفق الأوربيون أموالهم في العسكرة ثم تكون عليهم حسرة ثم يُغلبون. هنالك طريق أوحد إذا أراد الأوروبيون المنعة من هذه الكوارث العظام، أن يدخلوا في دين الله أفواجا، لأن معنى هذا أن تلقى عليهم حصانة الأمة التي أعطاها الله لمن أسلم، ولو كان كيانُه السياسي هشا ضعيفا كما هو حال المسلمين في هذا العصر. إن ذلكم هو ترياق السلامة إلى يوم القيامة.

اليمين الفرنسي يسبح ضد تيار التطور التاريخي للمجتمعات الإنسانية؛ ففي الوقت الذي ينادي فيه حزب “مارين لو بان” بفرنسا للفرنسيين ويحارب الهجرة وغيرها، يحتال على القوانين الأوروبية التي يشارك فيها ويختلس الأموال من شركائه في الاتحاد بطريقة منظمة. وقد آن لهذا النشاز أن يتصادم وسيرورة الحياة اليوم؛ لذلك فإن التهابات اليمينيين الحادة، في محاولة إنقاذهم زعيمةَ الجبهة الوطنية من الموت السياسي، لا تعدو كونها رعشة ديك مذبوح.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!