من جاهزية المؤسسات إلى جودة التعلمات
لم يعد نجاح الدخول المدرسي يقاس فقط بفتح أبواب المؤسسات التعليمية في الموعد المحدد، وإنما بمدى قدرة المدرسة الجزائرية على توفير جاهزية مؤسساتية وبيداغوجية ولوجستية تسمح بانطلاقة مستقرة وفعالة للموسم الدراسي.
فالمنظومة التربوية الجزائرية أصبحت منظومة ضخمة تضم أكثر من 11 مليون تلميذ، ونحو مليون مستخدم، وما يقارب 30 ألف مؤسسة تعليمية، ما يجعل أي خلل بسيط في التخطيط أو التوزيع قادرا على التأثير في آلاف الأقسام والمؤسسات.
وتزداد أهمية الاستعداد المبكر لتحضير الدخول، فقد أوضحت وزارة التربية أنها تستقبل سنويا تعدادا إضافيا بحوالي 500 ألف تلميذ. وهذا يعني أن التحدي ليس ظرفيا، بل هيكليا ومتجددا، ويتطلب اعتماد التخطيط الاستشرافي للخريطة المدرسية بدل الاكتفاء بالحلول الآنية عند ظهور الاكتظاظ أو نقص التأطير.
ومن هنا، فإن أول إجراء عملي ينبغي أن يسبق الدخول هو إعداد خريطة دقيقة للمناصب الشاغرة والحاجيات البيداغوجية بكل مؤسسة وطور ومادة، مع ربطها بالتعداد المتوقع للتلاميذ.
لقد أعلنت الوزارة سابقا عن توظيف 65000 أستاذ في مسابقة وطنية، كما تم إدماج 82410 أستاذ متعاقد، وهو جهد مهم في التأطير، لكن الأهم هو ضمان أن يصل الأستاذ إلى القسم فعلا وفي الوقت المناسب.
كما ينبغي التعامل مع الاكتظاظ المدرسي باعتباره من مؤشرات جودة البيئة التعليمية، وليس مجرد مشكلة إدارية، ويمكن في الحالات التي تفرضها الخريطة المدرسية اللجوء إلى إعادة توزيع التلاميذ بين المؤسسات المتقاربة، واستغلال الفضاءات البيداغوجية المتاحة، وفتح أقسام جديدة عند الضرورة، بالتوازي مع تسريع استلام المشاريع التربوية الجاهزة.
غير أن توفير الهياكل وحده لا يكفي، فالمطلوب هو الانتقال من مفهوم جاهزية المؤسسة إلى مفهوم جاهزية التعلم، ولذلك أقترح أن تخصص الأيام الأولى من الموسم الدراسي لعملية تشخيص تربوي أولي، خاصة في التعلمات الأساسية، وعلى رأسها اللغة العربية والرياضيات واللغات (تقويم المكتسبات)، ويجب أن تكون هذه الاختبارات تشخيصية غير تنقيطية، هدفها تحديد الفجوات التعليمية وبناء خطط الدعم والمعالجة على أساس معطيات واقعية.
وهنا تظهر أهمية اعتماد منظومة متابعة المواظبة داخل المؤسسات التعليمية، فالتلميذ الذي تتكرر غياباته، أو تتراجع نتائجه بسرعة أو تظهر عليه مؤشرات صعوبات التعلم أو الانقطاع، ينبغي ألا ينتظر نهاية الفصل الدراسي حتى تتم ملاحظة مشكلته، ويمكن للطاقم الإداري والتربوي اعتماد مؤشرات بسيطة للمتابعة، تسمح بالتدخل المبكر والتنسيق مع الولي والمستشار والأستاذ قبل أن تتحول المشكلة إلى تسرب أو فشل دراسي.
ومن الضروري كذلك إعطاء الأولوية للتعلمات الأساسية والكفاءات القاعدية، فالمقاربة الحديثة لجودة التعليم لا تقوم على كمية المعارف التي يتلقاها التلميذ فقط، وإنما على قدرته على توظيفها في الفهم والتحليل وحل المشكلات والتواصل.
أما الأستاذ، فينبغي أن يكون محورا أساسيا في إنجاح الدخول المدرسي، فوجود أكثر من 630 ألف أستاذ ضمن مستخدمي القطاع يجعل الاستثمار في تنظيم عملهم ومرافقتهم وتخفيف الأعباء الإدارية غير الضرورية استثمارا مباشرًا في جودة التعليم.
ومن المهم أن تكون الاجتماعات التربوية في بداية الموسم موجهة إلى المشكلات الحقيقية (مستويات التلاميذ، صعوبات التعلم، الانضباط، المخطط البيداغوجي السنوي، التقويم التشخيصي والدعم)، بدل تحويلها إلى مناسبات إدارية شكلية.
كما أن المدير باعتباره قائدا تربويا للمؤسسة يحتاج إلى هامش فعلي من الصلاحيات تمكنه من التحرك ومعالجة الإشكالات المحلية، فكل مؤسسة لها خصوصيتها من حيث عدد التلاميذ، الموارد البشرية، البيئة الاجتماعية، النقل، الإطعام الانضباط. لذلك ينبغي تعزيز القيادة المدرسية القائمة على التخطيط والمتابعة والتقييم، مع ربط المسؤولية بالمؤشرات والنتائج، وليس بكثرة الوثائق والتقارير.
وفي الجانب اللوجستي، يجب أن تكون هناك عملية تدقيق ميداني لجاهزية المؤسسات قبل استقبال التلاميذ، تشمل المياه، الكهرباء، التدفئة، التهوية، النظافة، دورات المياه، المطاعم المدرسية، النقل المدرسي، الأمن والسلامة.
ومن المقترحات العملية أيضا إنشاء خلية متابعة للدخول المدرسي على مستوى كل مديرية تربية، تعمل خلال الأسابيع الأولى بنظام معلوماتي بسيط، وتصنف الإشكاليات المطروحة إلى: عاجلة جدا، عاجلة، قابلة للمعالجة محليا، وترفع تقارير مختصرة تعتمد على مؤشرات كمية، مثل عدد المناصب غير المشغولة، عدد الأقسام التي تتجاوز الطاقة الاستيعابية المستهدفة، عدد المؤسسات التي تعاني نقائص مادية، ونسبة التلاميذ الذين تم ضبط وضعيتهم التربوية.
كما ينبغي أن تكون الرقمنة وسيلة لتبسيط العمل وليس لإنتاج عبء إداري جديد، ويمكن توظيف لوحات القيادة التربوية الرقمية لمتابعة الغياب، التعداد، النتائج، التأطير، الأقسام، الاحتياجات والتدخلات.
ولا يمكن إنجاح الدخول المدرسي من دون إشراك الأولياء، فالمدرسة ليست مؤسسة معزولة عن محيطها الاجتماعي، ولذلك يمكن تنظيم لقاءات افتتاحية مختصرة مع الأولياء تشرح أهداف السنة الدراسية، آليات المتابعة، أهمية الحضور والانضباط، وكيفية التواصل مع المؤسسة عند ظهور الصعوبات، والمطلوب هو الانتقال من علاقة تقوم على استدعاء الولي عند وقوع المشكلة إلى شراكة تربوية وقائية.
إن الدخول المدرسي الناجح في المرحلة المقبلة يحتاج في تقديري، إلى ثلاثية واضحة: التخطيط المسبق، التدخل السريع ، التقييم المستمر.
فالتخطيط المسبق يمنع ظهور المشكلات، والتدخل السريع يمنع تفاقمها، أما التقييم المستمر فيسمح بتصحيح المسار، وبذلك يصبح الدخول المدرسي بداية فعلية لمشروع تحسين المؤسسة التعليمية، وليس مجرد موعد إداري يتكرر كل سنة.
والأهم أن تكون هناك مؤشرات واضحة للحكم على نجاح الدخول المدرسي بعد مرور شهر إلى ثلاثة أشهر، مثل نسبة تغطية المناصب، تطور الاكتظاظ، انتظام التلاميذ والأساتذة، نسبة الغياب، نتائج امتحان التقويم التشخيصي، عدد حالات الدعم، جاهزية المطاعم والنقل، نسبة معالجة النقائص، إذ أنّ ما لا يُقاس لا يمكن تحسينه، وجودة المدرسة الجزائرية تحتاج اليوم إلى ثقافة قياس الأداء والتقويم المستمر بقدر حاجتها إلى بناء المؤسسات وتوفير الموارد.
إن الرهان الحقيقي في الدخول المدرسي المقبل ليس فقط أن تبدأ الدراسة في موعدها، وإنما أن تبدأ من دون فراغ بيداغوجي، ومن دون اضطراب تنظيمي، ومن دون نقائص لوجستية مؤثرة، وأن يشعر التلميذ منذ يومه الأول بأنه يدخل مدرسة جاهزة لاستقباله وتعليمه وحمايته ومرافقته.