ضحايا عصابات السكنات الوهمية يزدادون
يزداد ضحايا عصابات السكنات الوهمية يوماً بعد آخر، فرغم إطاحة مصالح الأمن بكثير من المتورِّطين أفرادا وجماعات، ونشر أخبارهم عبر الصحافة، لا يزال الجزائريون يصدقون “نكتة” أنه بإمكان شخص التقوه صُدفة بالشارع أن يساعدهم “لوجه الله” في الحصول على سكن؟
لجأت مؤخرا بعض بلديات العاصمة، ولتفادي عمليات الاحتيال المتكررة على محتاجي السكن إلى تعليق تعليمات داخل البلدية، تجبر المواطنين على إيداع ملفاتهم بالمكاتب المخصصة لذلك وتسلم الوصولات، وتجنّب منحها لأشخاص غير معروفين سواء داخل البلدية أو خارجها. ورغم التحذيرات الأمنية المتواصلة من عصابات السكنات، لا يزال عددُ الضحايا يزداد يوما بعد آخر، ومازالت محاكم العاصمة تعالج الكثير من هذه الملفات يوميا.
حتى أن بعض العصابات بدأت منذ الآن في الاحتيال على طالبي سكنات “عدل”. والغريب أن غالبية النصَّابين يلجأون إلى أسلوب متشابه للإطاحة بالضحايا، وهو التقرب من محتاجي السكن في أماكن عمومية، مع انتحال صفات الأمن العسكري، موظف بالولاية أو البلدية، أو بديوان الترقية العقارية، بعدها يصطحبون الضحايا لمعاينة عن بُعد، مشاريع في طور الإنجاز على أنها سكناتهم الموعودة!
شققٌ وهمية
وفي هذا السياق، تمكَّنت المصالح الأمنية مؤخراً من الإطاحة بعصابة من ثلاثة متهمين احتالت على أكثر من 20 ضحية، أوهمتهم بالحصول على سكنات تساهمية في بلديات بئر توتة، الحمامات وحي الموز. والمتهمون كانوا يزوّرون أختام ولاية الجزائر وبنك “لاكناب”. وتم القبض عليهم، بعد شكوى قدّمتها صاحبة مكتب استشارات اقتصادية تعرفت على (غ. ر) المتهم الرئيسي، وأوهمها بمساعدتها في الحصول على سكن تساهمي، كونه يملك نفوذا، وما عليها إلا إحضار ملف إداري، وبعد تماطله، اكتشفت تعرضها للاحتيال رفقة آخرين، قدم لهم وثيقة مزورة صادرة من الولاية. مقابل مبالغ مالية بين 13 و50 مليون سنتيم كدفعة أولى، على اعتبار أن الشقة تقدر بـ 180 مليون سنتيم.
قضيَّة مشابهة، بطلتها سكرتيرة سابقة ببلدية باب الزوار، نصبت على 11 ضحية، بعدما وعدتهم بسكنات، ليكشِف أمرَها الضحايا الذين سلبتهم بين 40 و200 مليون سنتيم. ومنهم سيدة تعرفت على المتهمة في قاعة حلاقة، وبعد حديث بينهما حول أزمة السكن، عرضت عليها المتهمة المساعدة، وطلبت منها ملفا إداريا ومبلغ 40 مليون سنتيم، وبعد يومين سلمتها قرار استفادة من سكن اجتماعي، مكوّن من أربع غرف متواجد على مستوى حي الموز، يحمل توقيعا مزورا لرئيس البلدية، وسلمتها مفتاحين للمنزل الوهْمي.
محتالٌ لا تفارق السّبْحة يديه
وفي حادثة عايشتها شخصيا، عندي صديقة أم لطفلين تقطن بحي بلكور بالعاصمة في غرفتين من العهد الاستعماري رفقة زوجها ووالدته وشقيقته، وقد طرقت جميع الأبواب للحصول على سكن، فوالد زوجها المتوفى أودع ملف سكن ببلدية سيدي أمحمد منذ السبعينات دون نتيجة، والصائفة المنصرمة اتصلت بي فرحة تخبرني أن زوجها عرّفه صديق على شخص ذي نفوذ وعده بمساعدته في الحصول على سكن اجتماعي، وبعد أسبوع طلبت مني مرافقتها لرؤية المشروع السكني الذي يضم شقتهما، والمتواجد بمدخل ولاية تيبازة، وفعلا كان مشروعا مكتملا وفي مكان استراتيجي مُطلّ على الطريق، لكن ولشكوكٍ راودتني باعتباري كتبت كثيرا عن قضايا الاحتيال في السكنات التي عالجتها المحاكم، سألتها إن طلب الشخص أموالا، فردّت “لم يطلب شيئا بل قال: أساعدكم لوجه الله، وأنه بمجرد استفادتنا من السكن سيرسلنا إلى صديقه في ديوان الترقية العقارية لتسديد مبلغ 7 ملايين سنتيم”، وأخبرتني أن زوجَها سلمه ملفا إداريا، بعدما ضرب له ذلك الشخص موعدا بالقرب من الثكنة العسكرية ببني مسوس، لأن ذلك الشخص “دي أر أس” حسب زعمه، ويملك سيارة “باسات” فخمة. وبعد 15 يوما تلقى زوجُها اتصالا، يبشره فيه ذلك الشخصُ باستفادته من السكن، لكن عليه أن يسلمه 7 ملايين سنتيم شخصيا حتى يسلمها بدوره إلى ديوان الترقية العقارية، وهو عكس ما اتفقا عليه، وعندما أخبره الزوج بأنه سيذهب بمفرده إلى “أو بي جيي” قطع الشخص اتصاله وأغلق هواتفه الكثيرة، ليتفاجأ الزوج بعد أسبوع باستدعاء من مصالح الأمن، يخبرونه بعثورهم على ملف سكن يحمل بياناته الشخصية، بمنزل محتال مبحوث عنه منذ زمن، واكتشف أن ضحاياه بلغوا 30 بين نساءِ ورجال، كان يدّعي لهم تارة أنه “دي أر أس” ومرة أنه “وكيل جمهورية”، وسلبهم مبالغَ معتبرة ومجوهرات بعدما وعدهم بسكنات. والمتهم مجرّد شاب بطال يؤجر السيارات الفخمة ويدّعي التديّن، حيث لا تفارق السّبحة يديه، وزربية الصلاة يحملها معه عند مقابلة الضحايا في أوقات الصلاة، وبمجرد رفع الأذان يستأذنهم لتأدية الصلاة ولو في الشارع حتى يطمئنوا له.