ضدّ استنساخ نماذج الدم!
..إنه لمن عجائب الأمور أن تتحدث عن حنين الكثير من التونسيين والمصريين والليبيين إلى الماضي، وكأن هذه الشعوب كانت تعيش حياة الطمأنينة والرخاء والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فثارت على أوضاعها وفضلت القثاء والثوم والعدس والبصل على المن والسلوى.
إن الانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية بحريتها وعدالتها الاجتماعية لن يكون بين عشية وضحاها، فما يقارب النصف قرن من الاستبداد لا يمكن أن ينقلب إلى ديمقراطية كما تقلب الصفحة، ووصول الولايات المتحدة إلى أعلى درجات الديمقراطية مر عبر مراحل عديدة ولسنين طويلة من النزاعات والاغتيالات والإنفراد بالرأي ورفض الرأي الآخر، وما يحدث في البلدان الثلاثة إنما هو نتيجة لما سبق وبداية لنهايته.
ثم إنك بعد ذلك تتحدث عن غياب أمريكا وفرنسا وإسرائيل والناتو، وكأنك كنت ترى في هرولتها وانشغالها بالربيع العربي خوفا على شعوب هذه المنطقة، وتصف مشروع احتلال مناجم اليورانيوم والذهب والفوسفات وآبار البترول بالغابة التي تغطيها شجرة زرع الفتن، القاعدة العامة في العلاقات الدولية أنه ليس هناك صداقة دائمة ولا عداوة دائمة وإنما هناك مصالح دائمة.
..فإذا كانت المصلحة في زرع الفتن أو تقسيم الدول أو مساندة الأنظمة الديكتاتورية، فإن الغرب لن يتوانى عن فعل ما هو أكبر من ذلك من أجل مصلحة شعوبه. ولا يمكن للفتنة النائمة أن تستيقظ إلا إذا توافرت لها البيئة المناسبة والتي لن يغذيها إلا الاستبداد والطغيان ومصادرة الرأي، وتحصين الأمة من الفتنة لن يكون إلا برضى المحكوم عن حاكمه الذي لن يتجسد إلا بتوفر الحرية والعدالة الاجتماعية وتجفيف منابع الفساد وقبول النقد والاستماع للرأي الآخر. بوحسون عبد الله
..نعم، يا سيدي الكريم، الشعوب التي ثارت، لم تكن تعيش الرخاء والهناء، لكن قديما قالوا: “الهنى غلب الغنى”، وهذا لا يعني أن الغنى لا يوفر الهناء، أو أن زين العابدين ومبارك والقذافي، وفروا لشعوبهم الهناء والغنى معا!
أردت فقط أن أقول، بأن العدس والبصل، قد يكون له ذوق أهم وأبقى من الموز والكيوي والأناناس الذي يتذوقه سرّاق الشعوب، وهذا لا يبرّر بطبيعة الحال، التوزيع غير العادل للثروات والمسؤوليات، ولا يعطي الحقّ للملوك والأمراء والرؤساء والوزراء ومعهم الحاشية، لتأميم الثورات والثروات، التي تبقى حقا متوارثا للشعوب وحدها!
لكن، ألا يُمكن يا أخي أن تتحقق الديمقراطية ووأد الديكتاتورية، بعيدا عن استنساخ النماذج واستيراد التجارب، وأنت تتحدث عن تجربة أو نموذج أمريكا، وقد سبقناها بحضارتنا وفتوحاتنا ونزاعاتنا، فهي التي أخذت منا، وليس نحن من يجب أن نأخذ منها، فألا يمكن بالتالي للعرب والمسلمين، ومنهم بلدان “الربيع العربي”، أن يتجنبوا التعفين والدم والعنف والاغتيالات والفوضى والنزاع والانتقام والأحقاد، كطريق آمن لتكريس التغيير؟
أنا معك يا أخي في الشكل، لكنني قد أختلف معك في جزء من المضمون، فالحديث عن الناتو وما ولاّه، كان من باب الإشارة إلى أن “الأيادي الأجنبية” التي هندست أو صنعت أو ركبت أو حرّضت على الخراب والفتنة، ثم تحوّلت من مهمة المُنتج والعرّاب إلى دور المتفرّج والمتشفـّي.. وصدق كيسنجر عندما قال ونقلت أنت عنه، أن ليس هناك صداقة أو عداوة دائمة، وإنما هناك مصالح دائمة، وهذا هو مربط الفرس في الربيع العربي!