-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ضرورة تخمير المشاهدة

بقلم: مصطفى محمودي
  • 271
  • 0
ضرورة تخمير المشاهدة

يعود هوس الكتابة إلى مداه في نهاية هذا الربيع ليكتب عن الأشياء التي تمر أمامه دون صخب زائد ودون ضجيج مفتعل تعودت عليهما في بعض الكتابات التي كتبت من قبل.

نعم نتوقف هذه المرة أمام شيء لم يترك ضجيج عبر الأيام ولا أعتقد أن أي من النقاد أشار إليه من قبل في كتاباته عن السينما وعن الأفلام، والشيء الذي نشير إليه هو ما يسمى بتخمير المشاهدة ومعناه أننا نرى فيلم ما ونتركه يتخمر في العقل لأيام أو شهور أو حتى لسنوات ثم نبادر بالكتابة عنه أو بالحكم عليه.. ومنه أستعجب أياما إعجاب بل وتصل الأمور في نفسي إلى حد الدهشة حين أسمع أو أقرأ عن ناقد سينمائي كتب مقالا نقديا عن فيلم رآه لتوه في صالات العرض.. نعم أدهش وأقول في نفسي كيف استطاع هذا الناقد أن يكتب مباشرة عن فيلم رأى عرضه في صالات العرض ولأول مرة.. أتعجب وأدهش لأطرح السؤال المنطقي في هذا وهو هل هذا الناقد هو على دراية بما يكتب أو هل هو منصف ولم يخطأ حين الكتابة عن هذا الفيلم..

ومنه يأتي الرد عنيفا داخل نفسي لأجزم ساعتها بأن هذا الناقد مستحيل أن يكون على صواب بما كتبه وأبدا لن يكون منصف في كتابة معادلة من المعادلات الفنية عنه، وقد تبدو الأمثلة كثيرة في ذلك وحتى لنقاد سينمائيين كبار كتبوا عن أفلام بعد خروجهم مباشرة من صالات العرض السينمائي ليتأكد لنا هذا الشيء فيما بعد ويشكل صريح أنها كانت كتابة بطعم دعائي سواء بالسلب أو بالإيجاب لهذا الفيلم أو ذاك، إذا علميا وفزيولوجيا لا يمكن للمرء الحكم على أي شيء في نفس اللحظة حتى في أمورنا الحياتية البسيطة حينما نقول لشخص ما حكم على أمر طارئ انك تسرعت جدا في حكمك عليه.. فما بالك على عمل فني تتجمع فيه العناصر الكثيرة لتكوينه..

وقد استمتعت نفسي طوال عمرها بهذا الشيء الذي نشير الآن ألا وهو تخمير المشاهدة وضرورتها الفنية وحتى الأخلاقية للحكم على الأفلام بنزاهة وموضوعية ودون اندفاع نفسي يفسد قيمة النقد وضرورته القصوى في تقييم الأفلام ومن ثما ترشيد المتلقين في كيفية رؤية هذا الفيلم والحكم عليه من كل الجوانب سواء على مستوى مضمونه الأدبي أو على مستوى شكله السينمائي أو على مستوى تأثيره على الناس.. وعليه نتأكد جميعا كمشاهدين أنه مع تكرار رؤية الأفلام وتخميرها في العقل تتضح أكثر وتظهر لنا العيوب والمحاسن بشكل دقيق لا غبار عليه.. ولقد استمعت يوما للناقد السينمائي الكبير الراحل سمير فريد وهو يؤكد عن نفس الشيء الذي قلناه وهو ضرورة تخمير المشاهدة للحكم فيما بعد على الأفلام التي نراها لأول مرة..

ولا أعرف إن كان هذا الناقد الكبير قد التزم في حياته بهذا أي بضرورة تخمير المشاهدة أم لا، ولكن أعرف في المقابل أن أقلام عربية كبيرة وكثيرة كتبت عن أفلام وقيمتها دون تريث ودون انتظار.. لأقول لهم بإصرار وتحد أنكم مخطئون.. وفي نفس السياق أي سياق ضرورة تخمير مشاهدة الأفلام قبل الكتابة عنها أقول لكم أنه حدثت لي أنا شخصيا مع السلسلة عايزة أتجوز التي مثلتها هند صبري مفارقة عجيبة ومدهشة هو أني لما رأيتها لأول مرة قلت في نفسي ما هذا الهراء إن هند صبري هنا هي لا تضحك إلا نفسها وحكمت عليها بأنها فنانة لا تضحك وعلى السلسلة أنها فاشلة.. ولكن مع مرور الأيام والشهور ثبت لي العكس وصرت مدمنا على هذه السلسلة لحد لا يعقل لأنها تشيع في نفسي الضحكة والابتسامة وعرفت ساعتها أن الحكم على الأشياء للوهلة الأولى لا يجوز مطلقا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!