ضريبة الحكم
في المغرب الأقصى، تحرك مئة ألف مواطن يهتفون لفلسطين ويحاصرون المكان الذي عقد فيه مؤتمر حضره مندوب من الكيان الصهيوني، وتمكن المنظمون من تهريب الإسرائيلي من الأبواب الخلفية إلى المطار ومن ثم إلي الكيان الصهيوني..
وفي مصر لازالت الدولة ملتزمة باتفاقيات كامبديفد، والتفاهمات بخصوص الحدود مع فلسطين رغم أن الجماهير المصرية تحركت أكثر من مرة لطرد السفير المصري بل توجهت الجماهير لحرق السفارة، الأمر الذي ترك ظلاله في الحس الأمني الإسرائيلي حيث تم إخلاء السفارة.. هذا في حين يؤكد الإسلاميون الإخوان والسلفيون أنهم لا يلغون إتفاقيات كامبديفد التي تعترف بشرعية وجود إسرائيل على أرض فلسطين .. ورسميا وعمليا لا بضائع إلى غزة إلا عن طريق كرم أبوسالم.
وفي تونس، لم يصدر أي شئ رسمي عن الحكام الجدد بخصوص الموقف من إسرائيل بل هناك مواقف عديدة تشير بأن الإسلاميين التوانسة لا يختلفون كثيرا عن الموقف السابق بخصوص القضية الفلسطينية، وهم قد يختلفون في الصياغة لكن لا اختلاف جوهري.. مع أن الشعب التونسي من خلال طلائع مناضلة فيه خرج يهتف الشعب يريد تحرير فلسطين. وهكذا يمكن المواصلة في السياق ذاته، وصولا إلى تركيا والمعارضة السورية.. لنكتشف أن الموضوع الفلسطيني يلفه ضباب كثيف لدى الحركات الاسلامية التي انتصرت في أكثر من بلد، الأمر الذي يعني أن الإهتمام بالموضوع الفلسطيني لا يتموقع في مقدمة الأولوية العملية لدى هذه الحركات، وأن كل المعارضات السابقة التي ملأت الدنيا دويا ضد الأنظمة التي تعترف بإسرائيل وتقيم علاقة معها إنما هي من باب الاستهلاك، لاسيما والجميع يعرف أن الموقف الصحيح مع فلسطين قد يجلب غضب الأمريكان إلى الدرجة التي يمكن إسقاط أي تجربة ؟؟؟
من هنا نريد أن نتساءل، ما الفائدة إذن من مجيء هذه الحركات إلى سدة الحكم إن لم تدافع عن فلسطين أرض العرب والإسلام، وتجعل ذلك مسلّمة أساسية للعمل السياسي والنهضوي والإجتماعي..؟؟ قد ينشغل البعض ويشغل الرأي العام بحركات بهلوانية عن دعم وتبرعات وصدقات لأهل غزة أو للمسجد الأقصى، والجميع يعرف أن هذا من شأنه إمداد الأزمة بعمر إضافي إذا جعل بديلا عن الإصطفاف الحقيقي والجاد في خندق فلسطين.
إنهم أحسنوا في مواقع المعارضة وهم يشنّعون على الحكام وينتقدونهم ويتهمونهم بالولاء للغرب ولأمريكا ، ولكن هل يحسنون اليوم في موقع الحكم ..؟؟ لقد كان امتحان فلسطين الملقى على الجميع كبيرا وحاسما، ومن غير المتوقع حسب ما يصدر أن موقفا جذريا سيكون في المنظور من الأيام.
موضوع فلسطين ليس سوى أحد الملفات الكبيرة والفاصلة الملقاة على الحاكمين الجدد في تونس ومصر وليبيا وتركيا، وبالتأكيد ليس المطلوب دعوات ولا شعر وشعارات إنما المطلوب برامج وجهد حقيقي بكل الوسائل لاستعادة فلسطين ومسجدها الأقصى .. وإذا لم ينجح الحكام الجدد في الدول العربية في جعل موضوع فلسطين برنامج عمل لتحريرها فأنهم لن ينجحوا في أي مشروع آخر، كالتنمية والحريات والتداول السلمي على السلطة وبناء مجتمعات حقيقية.