ضمن بحر “الثورات العربيّة”..هل صارت الجزائر “جزيرة”؟
سواء جاءت “الثورات العربيّة” (أو ما عرفناه تحت هذه التسمية) نتاج “انفجار” طبيعي قادته “شعوب” ضدّ “الطغيان والظلم”، أو هي من تدبير “مطابخ سريّة” أرادت في الآن ذاته، التخلص من “ديكتاتورات” انتهت صلاحياتها، ومن ثمّة استقدام “أدوات حكم جديدة” قادرة في الآن ذاته على “تلبية مطالب الشارع” وكذلك ـ وهذا الأساس ـ تأمين “المصالح الإستراتيجية” التي اعتادها “صاحب المطبخ”، أو هي “منزلة بين هذين المنزلتين”، فإنّ “التغيّرات الجارية” راهنًا، تأتي في تسارع كبير، يفوق ما اعتدنا من نمط التحولات وشكلها أوّلا، وثانيا تفتح الأبواب أو المستقبل على “مجهول” يعجز عن فهمه “أصحاب المطابخ” ذاتهم، وكذلك وجب الاعتراف أنّه لم يعد من المجدي الحديث عن “أمن قومي” (للجزائر كما لغيرها) بمعزل عن المحيط، سواء من باب الإجراء أو المنهج، حين لم يعد للحدود (السياسيّة) الوظيفة ذاتها.
من ذلك صارت “ممارسة السياسة” أشبه بقراءة الأحوال الجويّة، كلّما امتدّت الرؤية كلّما ارتفعت قدرة المناورة وطاقة الفعل والتأثير.
يكفي المرء في الجزائر أن يبسط خارطة البلاد أمامه، وينظر إلى الحدود البريّة (برمّتها وفي تفاصيلها)، ليتقن أنّ حال هذه الحدود يتراوح (بمفهوم النشرة الجويّة) بين “ساخنة” إلى “ملتهبة”، بدءا بما هو الحال مع المغرب الأقصى، حين صار التوتر “جزءا من المشهد” وقطعة من “الواقع الطبيعي”، مرورًا إلى الصحراء الغربيّة التي تأتي أحد أسباب الخلاف أو هو أعمقها مع “المخزن”، قفزًا فوق موريتانيا، التي أصبحت دون حدود، انتقالا إلى مالي، حيث الجمر لم يبرد، بل لايزال مشتعلا تحت الرماد، دون أن ننسى النيجر، أين الخلافات بين المناطق ومن أجل الثروات تشبه براميل بارود قد تأتيها الشرارة من جمهوريّة إفريقيا الوسطى (المشتعلة راهنًا)، نهاية بكلّ من تونس وليبيا، أين قلبت “الثورة” في الأولى شعار “الشعب المسلح” (الذي ابتدعه القذافي) إلى “الميلشيات” الماسكة بمقاليد البلاد والمحدّدة لمستقبلها، في حين اقتبست الثانية (أيّ تونس) كلمات الشاعر الفلسطيني محمود درويش فعلاً، حين أنشد: “حقّا ما أكبر الثورة. ما أصغر الدولة”.
دون أن ننسى ونغفل الإرهاب المتجاوز للأقطار والقافز فوق الحدود، بل صار “الرابط” (الأكبر) حين عجزت الدول القائمة عن تأسيس روابط إقليمية (على غرار “المجموعة الأوروبيّة”) قادرة على رفع التحديات والذهاب بالمنطقة نحو تطلعات شعوبها.
على خلاف النشرات الجويّة، وما هو الحال فيها من تراوح بين مناطق “الضغط العالي” التي توجه “الرياح” (أو هي الأعاصير) إلى مناطق “الضغط المنخفض”، يمكن الجزم في حال السياسة، أنّ المناطق جميعها ـ ضمن الدول المذكورة ـ مفتوحة على كلّ أشكال الضغط، بل لا يمكن (مهما كانت قدرة الاستقراء) الجزم بما هي عليه “الصورة” (حقّا) في تراوح بين الحدّين. حين وجب الاعتراف (أوّلاً) أنّ “دول الربيع العربي”، لم تعد صاحبة “السقاية والوفادة والسنادة” (بالمفهوم الجاهلي)، حين كانت قريش حينها قلب الرحى في جزيرة عربيّة تعدّل أوتارها (أو هي تشحذ سيوفها) على واقع سادة “بيت الندوة”…
من ذلك انتقلت الدول “الثائرة” (سابقا) من باعثة للأمل إلى دول مصدّرة “للعنف”، سواء جاء الأمر بفعل تراجع الدولة وتلاشي سلطانها، أو نموّ “قوى مختلفة”، استغلت الفراغ، التي رأت فيه فرصة نادرة وعاملا لن يتكرّر سواء لتوسيع المجال داخل القطر ذاته، أو كذلك البحث عن مجالات نفوذ في “الخارج”، ممّا خلق تناقضا، بل هو صدام قاتل، بين منطق “الدولة” القائمة على الحدود الموروثة عن الاستعمار، من جهة، في تقابل مع منطق “الثورة” أو ما نتج عنها (ضمن تفسيراتها العديدة) التي تبحث عن إعادة صياغة الواقع، ومن ثمّة إعادة رسم هذه الحدود إن لم نقل التخليّ عنها ومحوها.
فقدت “الثورات” بريقها ولم تعد تحمل ذلك الشحن (العاطفي) أو هي تلك الحماسة (الجياشة) القادرة على صناعة “الحلم” (الهادر)، بل لم تعد “الصورة” (الماثلة أمامنا) وإن في تفاوتت في شكلها، قادرة على التسويق لما قيل أنّها الحاجة (الطبيعيّة والمشروعة) “لغد أفضل”، حين تراجع (كما هو الحال أمامنا) هذا “الربيع الزاهر” إلى “خريف حزين”، إن لم يكن “شتاءً عبوسًا قمطريرًا”… حيث انقلبت صورة هذه “الدول الثائرة” (كما هو حال النشرة الجويّة) إلى “النقيض” أحيانًا.
لم يعد العقل السياسي/الأمني في الجزائر (على سبيل المثال) يرى في “نسائم الحريّة” أيّ تهديد للبنية الكاملة للدولة والهيكل العام للنظام، بل صارت الخشية من مجموعة واسعة من “التهديدات” العسكريّة/الإرهابية (التقليديّة)، المعلنة والمباشرة، في فعلها وإن بقيت (كما عهدها) غير واضحة العمق أو الجهات التي تقف خلفها، علمًا وأنّ تفتت السلطة داخل الدول الثائرة، نقل مفهوم الحلف/العداوة، من بعده الثنائي البسيط، إلى مستويات مركبة ومعقّدة، جعل الجزائر تعمّق تعاونها العسكري والأمني مع الجهات الحاكمة في الدول “الثائرة”، ليس من باب الإيمان بهذه “الثورات”، بل سعيا لصياغة أو صناعة سلطة مركزيّة قويّة، تستثني “الهوامش المسلحة” أوّلا، وثانيا (وهذا الأهمّ) أن تتحوّل هذه الجهات الحاكمة (بفعل السلطة وممارسة النفوذ) إلى “حكومات تقليديّة”، لا علاقة لها بمنطق العمل “الثوري” (وفق منطق “الربيع العربي”).
انتقلنا (سواء داخل هذه البلدان “الثائرة” أو خارجها) من الحديث عن “المسار الثوري” (واستحقاقاته المشروعة والطبيعيّة) وما تستلزم من صدام بين “الثوّار” و”أعداء الثورة” إلى الحديث عمّا “يحفظ الدولة”، أساسها، بل عمادها “الأمن والاستقرار وضمان حرمة الأفراد وسلامة المجتمعات”.
لذلك تغيّرت (أو بالأحرى تراجعت) الاستراتيجيات الأمنيّة والعسكريّة (في الجزائر) من افتراض محاربة الأنظمة (“الثوريّة”) وفرضية مقارعة “المنظمات غير الحكوميّة” (الراعي الأوّل لهذه الثورات)، إلى رؤية أكثر “كلاسيكيّة”، تبحث عن تأمين الحدود سواء من خلال المنظومات الدفاعية (عسكريّة واستخباراتيّة) أو حتّى (ربّما) الضربات الاستباقية.
على المستوى الإجمالي، تغيّر المنهج وتبدلت الأساليب، دون أن تتزحزح (قيد أنملة) الرهانات في بعدها الأوسع والاستراتيجي، حين لايزال “هوس” الدول (المسمّاة) عظمى عند أساسه: تحقيق أفضل المكاسب بأقلّ الإمكانات مع مسعى لتأمين “استقرار” (ضمن المفهوم الغربي)، يكفل نهب الثروات واستعباد الدول وإذلال الشعوب، مع ما يكفي ويلزم من “توابل ديمقراطيّة” و”جرعات من حقوق الانسان”، لا تمس “اقتصاديات السوق”، وما هي الأوامر الصادرة عن كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، التي لم تستطع (أو لم تشأ) دول “الربيع العربي”، أن تفكّر في مجرّد التفكير فيها…
يمكن الجزم، بل القطع، أنّ السواد الأعظم من الشعب الجزائري يبحث عن حلّ لما يراه الفرد أو الجماعة من مشاكل، خارج ما يمكن أنّ نسميه “ترياق الثورات” (مهما كان النمط المقدّم)، بل صار هذا السواد الأعظم إلى الخشية من أن تُصاب البلاد بهذه “العدوى”، أو هي “اللوثة”…
يمكن الجزم أنّ النظرة الغالبة من هذا السواد (الجزائري) الأعظم، هي ذاتها، نظرة عطف، يحملها المرء ـ عادة ـ عن “قريب أصابه مرض عضال”، والكلّ يدعو له سواء بالشفاء أو بتخفيف العذاب.
في المحصّل، تمّ اختصار “الثورات” في مجرّد استبدال لرأس السلطات، وتفتيت للدولة وتشتيت لمراكز القوى بين أقطاب متنافرة، مع تراوح بين “المثال التونسي” حين تسير العربة بمحركات عديدة وفي اتجاهات عدّة، وبين “المثال الليبي”، أين السؤال عن مدى التفجير عندما جاء السؤال عن الموعد مسألة وقت.