-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ضياع المعيار والمرجعية.. من عدوّنا ومن صديقنا؟

صالح عوض
  • 1844
  • 0
ضياع المعيار والمرجعية.. من عدوّنا ومن صديقنا؟

كيف نواجه حالة الفوضى التي تضرب مواقفنا القولية والفعلية؟ ما الذي نحتكم إليه ويمكن أن يخرجنا من التيه ومن الكلام المتضارب والأفعال المتناحرة؟ كيف وقد وضعت الأمة ثقتها في نُخب تزيد أزماتها تعقيدا وتصبح كل عناويننا المقدسة مقسمة على وجه ونقيضه وتنسحب من حياتنا ضمانات العودة إلى الصواب؟ من الذي يحدد لنا الصديق والعدو؟

 كنت ألتقي السيد بن يوسف بن خدة رحمة الله عليه بشكل شبه دوري لمدة طويلة منذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى حتى عودتي إلى غزة في منتصف التسعينيات، ولقد منحني من كرم روحه أن أكون تلميذا أستمع إليه وأستفسر وأستفيد من تجربته الكبيرة العظيمة.. كان يقينه راسخا بنصر فلسطين وكان حرصه بالغا على وحدة الجزائر واستقرارها، تعلمت منه كثيرا وكانت أهم ملاحظاته حول أزماتنا المتعددة: “أننا كأمة نمر بأزمة أخلاقية هي الأساس في كل ما نمر فيه من أزمات”.. كان يشرح لي الفكرة بأوجه عدة، مؤكدا بأن لا أزمة تشكل خطورة على المجتمع والدولة والأمة إن كانت قيمها مصانة وأخلاقها مضبوطة بمعيار ومرجعية، وأن أية خسارة في أي جانب يمكن تعويضها، ولكن الخسارة في البُعد الأخلاقي يعني أن كل شيء يصبح في مهب الريح.. وبعد أكثر من عشرين عاما على فراقي له أشعر بأن ما قاله هو أهم تشخيص لحقيقة ما نمرّ به كأمة وكشعوب وكنخب سياسية وثقافية.

منظومة الأخلاق الانسانية التي يجمع عليها الوجدان الانساني ويزكيها المنهج الاسلامي تعتمد الصدق والأمانة والعدل والرحمة والخير.. وكل عمل أو قول لا ينضبط بهذه القيم الأخلاقية سيصبح سلوكا متناقضا يقلّبه الهوى وتعبث به ريح الظلم والكذب والشر والخيانة، وحينذاك تكون أحجام الضرر بمقدار تَمثُّل هذا السلوك في شخص أو جماعة أو مؤسسة.. وحينذاك ما الفائدة في الأفكار والعناوين والأشكال والطقوس؟ ما الفائدة في الشعارات والأشكال إذا كان الفجور في الخصومة والافتراء والكذب والتحريض الأعمى وإفساد ذات البين هو السبيل؟

نقترب هنا من تحديد المعيار، حيث ينبغي قياس التصرفات من أقوال أو أفعال على معيار واحد وفي ميزان واحد.. فما استقبحناه من قِبل جهة فهو قبيح بلا شك إن جاء من جهة أخرى.. وإن رفضنا لسلوك الأخرين المناوئين لنا أو المخالفين لنا يجب أن يقابله رفضنا أن نسلك الأمر نفسه مع خصومنا ومخالفينا.. إن إدانتنا للكذب والظلم الذي يصدر عن أخرين في حقنا يجب أن يكون في مقابله عدم انتهاجنا الكذب والظلم والافتراء.. وصدق الشاعر العربي حين قال: “لا تنهَ عن خُلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم”.. وهكذا نبرز القيمة الأخلاقية التي تلزم الناس أجمعين، وهذا يعني بوضوح أنه ينبغي أن لا نعطي أنفسنا حقا ونحرم الأخرين منه. ومن هنا جاء الاسلام ليضع الأخلاق في التعامل مع القيم على رأس سلمِّ منهجه وحركيته.. فالحرية الفكرية التي أصرّ على اتباعه أن يلتزموها هي نفسها التي يكرسها حقا ثابتا للأخرين المخالفين.. وإذا كان من حق الناس أن يعتقدوا مايشاؤون ويؤمنوا بما يشاؤون، فليس لهم الحق في اختيار نوع السلوك لدى الأخرين؛ فالسلوك الانساني ينبغي أن يلتزم معيارا يستجيب للوجدان الانساني، وهو معيار يتفق عليه الضمير والوعي، وقد نظمه ورتبه وأتمّه المنهج الاسلامي كأجمل ما يكون.

هكذا إذن يتبلور لدينا الانتباه الواضح لقيمة المعيار في التعامل مع أقوال الناس وأفعالهم، وهذا بما ليس له علاقة بنوع أفكارهم وعقائدهم التي من حقهم أن يتبنوا ما يشاؤون منها.. فكل التصرفات والأقوال تعرض على المعيار نفسه.. ومن الخطورة أن يغيب المعيار وتصبح الرغبات والأنانيات هي الموجِّه للقول والفعل.

 ما الفائدة في الأفكار والعناوين والأشكال والطقوس؟ ما الفائدة في الشعارات والأشكال إذا كان الفجور في الخصومة والافتراء والكذب والتحريض الأعمى وإفساد ذات البين هو السبيل؟ ونحن أمة لها تاريخ وحضارة ومنهج حياة.. وفي منهج الأمة هناك عناوين تشكل المرجعية الفكرية والحضارية تستند إليها في مواجهة التحديات المفروضة عليها، فالأمة واحدةٌ بنص القرآن الكريم: “إن هذه أمتكم أمة واحدة” ثم ضرورة السعي لانجاز ذلك، قال تعالى: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا”، وهذه الأمة شاهدة على العالمين، كما أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، بقيامها بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن المنهج الاسلامي في السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة يجعل من رحمة العباد مقصده العام، قال تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، كما أن مواجهة الظالمين فرضٌ يقاس حجمه بحجم قوة الظالم.. وعملية التحرير المستمر للإنسان من عبودية المناهج والأفكار والأوضاع سينهج بالمؤمنين بها إلى تكريس وحدة الصف على مرجعية واضحة.. كما أن عملية التحرير حسب التوجيه الاسلامي هي عملية مستمرة لإزاحة الظلم عن وجه الأرض.. وفي هذه العملية تبرز في هذه المرحلة القضية الفلسطينية عنوانا لكل قضايا الأمة وتصبح مرجعية سياسية حاسمة لمواقفنا جميعا.

هكذا نرى تَشكُّل عناوين المرجعية الحضارية التي تمنح أمتنا حضورها ودورها في التحولات العميقة على تبدّل مراكز الفعل والأساس في تَشكلها؛ إنها تحصن الأمة من التشتت والتنافر وضياع الوعي.. إنها مرجعية تكشف كل المشهد السياسي، كما أنها تصون الروح المعنوية وتحمي جدران وعينا من اختراق غربي سياسي وفكري.

هكذا نأتي مزوّدين بعناصر مرجعيتنا الحضارية نحو المعيار، نقيس الأشخاص والدول والجماعات بالمعيار نفسه وحسب مرجعيتنا فحسب.. فمن يعزز وحدة الأمة ويتصدى لعدوها ويعزز روح المقاومة فيها فهو في الطريق الصحيح، بغض النظر يتفق معنا بأفكاره ورائه أم لا.. ومن يشتت الأمة فهو منحرف حسب معيارنا في الحكم، بغض النظرعن موقعه وفكره.. وبالمعيار نفسه وبالاستناد إلى ثوابت مرجعيتنا نخرج من الفوضى.. وهكذا.

 ينبغي إدراك أنه من أخطر ما يحيق بأمتنا هو فقدان المعيار واهتزاز المرجعية.. لأن ذلك يعني بوضوح أن تصبح مجتمعاتنا غير صالحة للحياة البشرية بل تصبح تجمّعاتٍ بشرية وليست مجتمعات، والفرق كبير بين العنوانين.. وفي ظل فقدان المرجعية وفقدان المعيار تتولد عندنا قوى شديدة البأس فيما بينها لأنها تزوّد نفسها بالحقد والشر والشد نحو زاوية من المشهد لتفريق الصف والخضوع في مواجهة الأعداء.. ومن أخطر نتائج غياب المعيار والمرجعية أن نعيش حالة الفوضى والتمزق والتناحر.. وأن يصبح الصديق عدوا والعدو صديقا.

إن المسؤولية تصبح كبيرة أمام الله والناس أجمعين، ملقاة على كل من بوّأه الله منبرا للحديث حول ضرورة أن نلتزم معيارا واحدا في الحياة تجاه الجميع، وأن نجمع عناصر الوحدة، مستندين إلى مرجعيتنا ونلتزم بمعاييرها الخاصة.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!