ضُعف القوة.. القادم
عمليا، نحن نتجه مع منتصف القرن الـ21 إلى عالم أقلّ مقاومة وأكثر ضعفا، رغم قوته الظاهرة، ذلك أنه كلما توغلنا في التكنولوجيا، تخلينا عن خواص سابقة للمادة من حيث الوزن والسرعة والخفة والصغر، وكلما لجأ الإنسان إلى التخلص من “خشونة” المادة، أي من الـHard، إلى Soft، قلّ “السوفت” فتضعف المقاومة والحماية، وتبدو الأشياء كما لو كانت بلا مقاومة، حتى ولو بحثنا عن أشكال مقاومة من نفس الطينة والتكنولوجيا.
بهذا المعنى، يمكن فهمُ العالم المقبل على أنه عالم السرعة والخفة والمتناهي في الصغر. وبقدر لجوئنا إلى الاختزالية لأسبابٍ تتعلق بالنفعية والفعالية والبراغماتية، فإن هذا التطور سيكون حتما على حساب القدرة على المقاومة.
وبما أن العالم صار قرية صغيرة، على حد تعبير “ماكلوهان”، فإنَّ من شأن هذا “الانكماش بالتوسع” أن يجعل العالم أكثر هشاشة وضعفا إزاء المتغيرات والمخترعات والطفرات والتحولات التي تحدث كل ثانية وليس كل عام أو شهر أو مائة عام كما كان الحال قبل القرن الـ20. نحن نتجه بأقصى سرعة نحو المجهول.. وهذا يتطلب اختزالية في التصنيع التكنولوجي وذكاء اصطناعيا متطورا باستمرار. لكن تكنولوجيا الذكاء الصناعي، صارت اليوم تقريبا في متناول الجميع، حتى الأطفال واليافعين، ولا يتطلب ذلك مهاراتٍ وخوارقَ، إذ يكفي قليلٌ من البحث وكثير من المثابرة والذكاء لإيجاد ثغرة في منظومة حواسيب ليمكن الهاكر من التسلّل والتحكّم عن بُعد في برامج الغير أو تخريبها أو تحويل وظائفها إلى وظائف سلبية. وهذا ما يحدث مؤخرا ضمن الهجمة السيبريانية في العالم بدءاً من أمريكا تحديدا باعتبارها القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى.
هذا الهجوم الفيروسي السيربياني، مثله مثل الفيروس البيولوجي الذي خرَّب اقتصاديات وصحة العالم، من شأنه أن يعيث فسادا في البرامج وقواعد وبنوك المعلومات بعد أن تتم سرقة وقرصنة معلومات وبيانات دول وقوى من شأنها أن تضر بمصالحها وكشف أسرارها واستخدامها ضدها؛ إما في شكل تنافس اقتصادي أو عسكري أو قد يكون عن طريق تخريب للبيانات أو أحداث أضرار في منظمة السيطرة والتحكم في ديناميكية الدولة، اقتصادا وسياسية ونظما عسكرية وتسليحا، والأخطر من ذلك الوصول إلى التحكُّم في شفرات السلاح النووي رغم التأمين “التام والمعقد” لذلك..
لقد شهدنا خلال سنة 2020، أسوأ عدوى عالمية وأوسع جائحة على الإطلاق. صحيح، لم تُسجَّل فيها نفس عدد الوفيات كما حصل مع أوبئة سابقة خلال القرون الماضية، لاسيما “الطاعون الأسود” في أوروبا الذي قتل الملايين ولا حتى “الطاعون الاسباني” في بداية القرن العشرين، لكن سرعة الانتشار بفعل كثافة التنقل بين الدول وكثافة السكان في المدن الكبرى، سيجعل من أي وباء أو فيروس مطور ضمن حروب بيولوجية محتملة، في غاية الخطورة على العالم بأسره. نفس هذه الخطورة، قد نشهدها مع زرع فيروسات خبيثة في أجسام الأجهزة الذكية المتحكمة في تكنولوجيا الاتصال والطيران والبنوك والمصانع ومعامل الأسلحة وبيانات التحكم في الأنشطة التي تشتغل بالتيار الكهربائي.. وما من شيء عاد لا يشتغل بالكهرباء.
نحن فعلا أمام توجُّهٍ نحو المجهول، خاصة مع تسارع الصراع بين القوى العظمى حول النفوذ والهيمنة باستعمال أسلحة لا تكون بالضرورة عسكرية: أسلحة مجهرية، تدمِّر كل شيء بأمر مُبرْمجها، بل وقد تخرج عن دائرة التحكُّم في النهاية لتصبح الفوضى هي المهيمنة.. وهو سيناريو مطروحٌ بقوة.. بدءا من سيناريوهات أفلام هوليوود في السنوات الأخيرة.